ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين . ومريم ابنت عمران التي
أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت
من القانتين .
شرح
بقولها في الجنة ، أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهى
جنات المأوى ، فعبرت عن القرب إلى العرش بقولها عندك ( من فرعون وعمله ) من عمل فرعون ، أو من نفس
فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم ، وخصوصا من عمله وهو الكفر وعبادة الأصنام والظلم والتعذيب بغير جرم
( ونجني من القوم الظالمين ) من القبط كلهم ، وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه
عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين - فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من
المؤمنين - ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين - ( فيه ) في الفرج ، وقرأ ابن مسعود
فيها كما قرئ في سورة الأنبياء ، والضمير للجملة وقد مر لي في هذا الظرف كلام ، ومن بدع التفاسير أن الفرج
هو جيب الدرع ، ومعنى أحصنته : منعته جبريل وأنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها تسلية
للأرامل وتطييبا لأنفسهن ( وصدقت ) قرئ بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة يعنى
وصفتها بالصدق وهو معنى التصديق بعينه . فإن قلت : فما كلمات الله وكتبه ؟ قلت : يجوز أن يراد بكلماته صحفه
التي أنزلها على إدريس وغيره سماها كلمات لقصرها ، وبكتبه الكتب الأربعة ، وأن يراد جميع ما كلم الله به ملائكته
وغيرهم ، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره ، وقرئ بكلمة الله وكتابه أي بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل
فإن قلت : لم قيل ( من القانتين ) على التذكير ؟ قلت : لأن القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين فغلب ذكوره
على إناثه ومن للتبعيض . ويجوز أن يكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي
موسى صلوات الله عليهما . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع :
آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وفضل عائشة