تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا . يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد
شرح
المؤمنين ، ونصرة الله تعالى لي أعظم وأعظم . قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله فكأنه فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى لفضلهم على جميع خلقه . وقرئ تظاهرا وتتظاهرا وتظهرا . قرئ يبدله بالتخفيف والتشديد للكثرة ( مسلمات مؤمنات ) مقرات مخلصات ( سائحات ) صائمات ، وقرئ سيحات وهى أبلغ ، وقيل للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجئ وقت إفطاره . وقيل سائحات مهاجرات . وعن زيد بن أسلم : لم تكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة . فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيرا منهن ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ قلت : إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن ، وقد عرض بذلك في قوله - قانتات - لأن القنوت هو القيام بطاعة الله وطاعة الله في طاعة رسوله . فإن قلت : لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار ؟ قلت : لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات فلم يكن بد من الواو ( قوا أنفسكم ) بترك المعاصي وفعل الطاعات ( وأهليكم ) بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم وفى الحديث " رحم الله رجلا قال : يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم جيرانكم ، لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وقيل إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله . وقرئ وأهلوكم عطفا على وأوقوا وحسن العطف للفاصل . فإن قلت : أليس التقدير قو أنفسكم وليق أهلوكم أنفسهم ؟ قلت : لا ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو وأنفسكم واقع بعده ، فكأنه قيل قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت مع المخاطب الغائب غلبته عليه فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب ( نارا وقودها الناس والحجارة ) نوعا من النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي حجارة الكبريت وهى أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها . وقرئ وقودها بالضم : أي ذو وقودها ( عليها ) يلي أمرها وتعذيب أهلها ( ملائكة ) يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ( غلاظ شداد ) في أجرامهم غلظة وشدة : أي
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 128 | الزمخشري