منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا . يا أيها
الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة
غلاظ شداد
شرح
المؤمنين ، ونصرة الله تعالى لي أعظم وأعظم . قلت : مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله فكأنه فضل نصرته تعالى بهم
وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى لفضلهم على جميع خلقه . وقرئ تظاهرا وتتظاهرا وتظهرا . قرئ
يبدله بالتخفيف والتشديد للكثرة ( مسلمات مؤمنات ) مقرات مخلصات ( سائحات ) صائمات ، وقرئ سيحات
وهى أبلغ ، وقيل للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه فشبه به الصائم في
إمساكه إلى أن يجئ وقت إفطاره . وقيل سائحات مهاجرات . وعن زيد بن أسلم : لم تكن في هذه الأمة سياحة
إلا الهجرة . فإن قلت : كيف تكون المبدلات خيرا منهن ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟
قلت : إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات
بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن ، وقد عرض
بذلك في قوله - قانتات - لأن القنوت هو القيام بطاعة الله وطاعة الله في طاعة رسوله . فإن قلت : لم أخليت
الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار ؟ قلت : لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن
في سائر الصفات فلم يكن بد من الواو ( قوا أنفسكم ) بترك المعاصي وفعل الطاعات ( وأهليكم ) بأن تأخذوهم
بما تأخذون به أنفسكم وفى الحديث " رحم الله رجلا قال : يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم
جيرانكم ، لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وقيل إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله . وقرئ وأهلوكم
عطفا على وأوقوا وحسن العطف للفاصل . فإن قلت : أليس التقدير قو أنفسكم وليق أهلوكم أنفسهم ؟ قلت :
لا ولكن المعطوف مقارن في التقدير للواو وأنفسكم واقع بعده ، فكأنه قيل قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت
مع المخاطب الغائب غلبته عليه فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب ( نارا وقودها الناس والحجارة ) نوعا من
النار لا يتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من النيران بالحطب . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي
حجارة الكبريت وهى أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها . وقرئ وقودها بالضم : أي ذو وقودها ( عليها ) يلي
أمرها وتعذيب أهلها ( ملائكة ) يعنى الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ( غلاظ شداد ) في أجرامهم غلظة وشدة : أي