وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .
والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما . والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم
إن عذابها كان غراما .
شرح
ونظيره في بقاء حكم المضاف بعد سقوطه وقيام المضاف إليه مقامه قول حسان * بردى يصفق بالرحيق السلسل *
يريد ماء بردى ، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب . الخلفة من خلف كالركبة
من ركب وهى الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر ، والمعنى : جعلهما ذوي خلفة : أي
ذوي عقبة : أي يعقب هذا ذاك وذاك هذا ، ويقال الليل والنهار يختلفان كما يقال يعتقبان ، ومنه قوله - واختلاف
الليل والنهار - ويقال بفلان خلفة واختلاف إذا اختلف كثيرا إلى متبرزه . وقرئ يذكر ويذكر . وعن أبي بن
كعب رضي الله عنه : يتذكر ، والمعنى : لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لا بد لانتقالهما من حال إلى حال
وتغيرهما من ناقل ومغير ، ويستدل بذلك على عظم قدرته ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل
والتصرف بالنهار كما قال عز وعلا - ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله - أو ليكونا
وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر . وعن الحسن رضي الله عنه :
من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب ( وعباد
الرحمن ) مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل : وعباد الرحمن الذين هذه صفتهم أولئك يجزون الغرفة ، ويجوز أن
يكون خبره الذين يمشون وأضافهم إلى الرحمن تخصيصا وتفضيلا . وقرئ وعباد الرحمن . وقرئ يمشون ( هونا ) حال
أو صفة للمشي بمعنى هينين أو مشيا هينا ، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة . والهون : الرفق واللين ،
ومنه الحديث " أحبب حبيبك هونا ما " وقوله " المؤمنون هينون لينون " والمثل : إذا عز أخوك فهن ، ومعناه :
إذا عاسر فياسر ، والمعنى : أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا
وبطرا ، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله - ويمشون في الأسواق - ( سلاما ) تسلما منكم لا نجاهلكم
ومتاركة لا خير بيننا ولا شر : أي نتسلم منكم تسلما فأقيم السلام مقام التسلم . وقيل قالوا سدادا من القول يسلمون
فيه من الايذاء والإثم ، والمراد بالجهل السفه وقلة الأدب وسوء الرعة من قوله :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وعن أبي العالية نسختها آية القتال ، ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في
الأدب والمروءة والشريعة وأسلم للعرض والورع . البيتوتة خلاف الظلول وهو أن يدركك الليل نمت أو لم تنم .
وقالوا : من قرأ شيئا من القرآن في صلاته وإن قل فقد بات ساجدا وقائما . وقيل هما الركعتان بعد المغرب والركعتان
بعد العشاء ، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره ، يقال فلان يظل صائما ويبيت قائما ( غراما ) هلاكا
وخسرانا ملحا لازما قال :
يوم النسار ويوم الجفا * ركانا عذابا وكانا غراما