تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
إنها ساءت مستقرا ومقاما . والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما . والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما .
شرح
وقال : ان يعاقب يكن غراما وإن يعط * جزيلا فإنه لا يبالي ومنه الغريم لإلحاحه ولزامه . وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله تعالى - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة - ( ساءت ) في حكم بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا والمخصوص بالذم محذوف معناه - ساءت مستقرا ومقاما - هي ، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها ، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقرا حال أو تمييز ، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين وأن يكونا من كلام الله وحكاية لقولهم ، قرئ يقتروا بكسر التاء ، وضمها ويقتروا بتخفيف التاء وتشديدها ، والقتر والإقتار والتقتير : التضييق الذي هو نقيض الإسراف والإسراف : مجاوزة الحد في النفقة . ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير ، وبمثله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط - وقيل الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي ، فأما في القرب فلا إسراف . وسمع رجل رجلا يقول : لا خير في الإسراف ، فقال : لا إسراف في الخير . وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن إليه فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام حسن ، فقال ابن لعبد الملك : إنما هو كلام أعده لهذا المقام ، فسكت عبد الملك ، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله فقال : الحسنة بين السيئتين ، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية ، فقال لابنه : يا بنى أهذا أيضا مما أعده - وقيل أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والقر . وقال عمر رضي الله عنهم : كفى سرفا أن لا يشبهى رجل شيئا الا اشتراه فأكله . والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء ، وقرئ قواما بالكسر وهو ما يقام به الشئ ، يقال أنت قوامنا بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص ، والمنصوبان : أعني بين ذلك قواما جائز أن يكونا خبرين معا ، وأن يجعل بين ذلك لغوا ، وقواما : مستقرا ، وأن يكون الظرف خبرا وقواما حال مؤكدة . وأجاز الفراء أن يكون بين ذلك اسم كان على أنه مبنى لإضافته إلى غير متمكن كقوله * لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * وهو من جهة الإعراب لا بأس به ، ولكن المعنى ليس بقوى لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة ، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة ( حرم الله ) أي حرمها ، والمعنى حرم قتلها ، و ( إلا بالحق ) متعلق بهذا القتل المحذوف أو بلا يقتلون ، ونفى هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل : والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه والقتل بغير حق يدخل فيه الوأد وغيره . وعن ابن مسعود رضي الله عنه " قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل الله