إنها ساءت مستقرا ومقاما . والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين
ذلك قواما . والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا
بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما .
شرح
وقال : ان يعاقب يكن غراما وإن يعط * جزيلا فإنه لا يبالي
ومنه الغريم لإلحاحه ولزامه . وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا بأنهم
مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله تعالى - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة -
( ساءت ) في حكم بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا والمخصوص بالذم محذوف معناه - ساءت مستقرا ومقاما -
هي ، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها ، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت وفيها
ضمير اسم إن ومستقرا حال أو تمييز ، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين وأن يكونا من كلام الله
وحكاية لقولهم ، قرئ يقتروا بكسر التاء ، وضمها ويقتروا بتخفيف التاء وتشديدها ، والقتر والإقتار والتقتير :
التضييق الذي هو نقيض الإسراف والإسراف : مجاوزة الحد في النفقة . ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير ،
وبمثله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط - وقيل الإسراف
إنما هو الإنفاق في المعاصي ، فأما في القرب فلا إسراف . وسمع رجل رجلا يقول : لا خير في الإسراف ، فقال :
لا إسراف في الخير . وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه شكر عبد الملك بن مروان حين زوجه ابنته وأحسن
إليه فقال : وصلت الرحم وفعلت وصنعت وجاء بكلام حسن ، فقال ابن لعبد الملك : إنما هو كلام أعده لهذا
المقام ، فسكت عبد الملك ، فلما كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر فسأله عن نفقته وأحواله فقال : الحسنة
بين السيئتين ، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية ، فقال لابنه : يا بنى أهذا أيضا مما أعده - وقيل أولئك
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ، ولكن كانوا
يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم ويلبسون ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والقر . وقال عمر
رضي الله عنهم : كفى سرفا أن لا يشبهى رجل شيئا الا اشتراه فأكله . والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين
واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء ، وقرئ قواما بالكسر وهو ما يقام به الشئ ، يقال
أنت قوامنا بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص ، والمنصوبان : أعني بين ذلك قواما جائز أن يكونا
خبرين معا ، وأن يجعل بين ذلك لغوا ، وقواما : مستقرا ، وأن يكون الظرف خبرا وقواما حال مؤكدة . وأجاز
الفراء أن يكون بين ذلك اسم كان على أنه مبنى لإضافته إلى غير متمكن كقوله * لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت *
وهو من جهة الإعراب لا بأس به ، ولكن المعنى ليس بقوى لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة ، فليس
في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة ( حرم الله ) أي حرمها ، والمعنى حرم قتلها ، و ( إلا بالحق ) متعلق بهذا
القتل المحذوف أو بلا يقتلون ، ونفى هذه المقبحات العظام عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين للتعريض
بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل : والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه والقتل بغير حق
يدخل فيه الوأد وغيره . وعن ابن مسعود رضي الله عنه " قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل الله