وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا . ويعبدون من
دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا . وما أرسلناك إلا مبشرا
ونذيرا . قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا . وتوكل
على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا . الذي خلق
السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام .
شرح
البلاغة أراد فقسم البشر قسمين : ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان ،
وذوات صهر : أي إناثا يصاهر بهن ونحوه قوله تعالى - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى - ( وكان ربك قديرا )
حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا نوعين ذكرا وأنثى . الظهير والمظاهر كالعوين والمعاون وفعيل بمعنى مفاعل غير
عزيز ، والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك . روى أنها نزلت في أبى جهل . ويجوز أن يريد
بالظهير الجماعة كقوله - والملائكة بعد ذلك ظهير - كما جاء الصديق والخليط ، ويريد بالكافر الجنس وأن بعضهم
مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله . وقيل معناه : وكان الذي يفعل هذا الفعل وهو عبادة ما لا ينفع ولا يضر
على ربه هينا مهينا من قولهم ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه ، وهذا نحو قوله - أولئك لا خلاق لهم
في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم - مثال ( إلا من شاء ) والمراد إلا فعل من شاء ، واستثنائه عن الأجر
قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا
تضيعه ، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه ، فأفاد
فائدتين : إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثوابا فإني أطلب
الثواب ، والثانية إظهار الشفقة البالغة وأنك إن حفظت مالك اعتد بحفظك ثوابا ورضى به كما يرضى المثاب بالثواب ،
ولعمرى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد وفوقه . ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلا
تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة . وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله . أمره بأن يثق
به ويسند أمره إليه ، في استكفاء شرورهم مع التمسك بقاعدة التوكل وأساس الالتجاء وهو طاعته وعبادته وتنزيهه
وتحميده ، وعرفه ان الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكل عليه وحده ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين
يموتون . وعن بعض السلف أنه قرأها فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ، ثم أراه أن ليس إليه من
أمر عباده شئ آمنوا أم كفروا ، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم ( في ستة أيام ) يعنى في مدة مقدارها
هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ نهى ولا ليل ، وقيل ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة والظاهر أنها من أيام
الدنيا . وعن مجاهد أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة ، ووجهه أن يسمى الله لملائكته تلك الأيام المقدرة بهذه
الأسماء ، فلما خلق الشمس وأدارها وترتب أمر العالم على ما هو عليه جرت التسمية على هذه الأيام ، وأما الداعي
إلى هذا العدد : أعني الستة دون سائر الأعداد فلا نشك أنه ادعى حكمة لعلمنا أنه لا يقدر تقديرا إلا بداعي حكمة
وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدى إلى معرفته ، ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر ، وحملة