تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا . ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا . ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا . وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا .
شرح
وهو حب الرياسة وكفى به داء عضالا . فإن قلت : كيف جعلوا أضل من الانعام ؟ قلت : لان الانعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدى لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني . والعذب : الروى ( ألم تر إلى ربك ) ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته . ومعنى مد الظل أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس ( ولو شاء لجعله ساكنا ) أي لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة غير منبسط فلم ينتفع به أحد ، سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا . ومعنى كون الشمس دليلا أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان زائلا ومتسعا ومتقلصا ، فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك . وقبضه إليه أنه ينسخه بضح الشمس ( يسيرا ) أي على مهل ، وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شئ من المنافع مالا يعد ولا يحصر ، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا . فإن قلت : ثم في هذين الموضعين كيف موقعها ؟ قلت : موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت . ووجه آخر وهو أنه مد الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فينانا ما في أديمه جوب لعدم النير - ولو شاء لجعله ساكنا - مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل : أي سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص ، ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير ، ويحتمل أن يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهى الاجرام التي تلقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه ، وقوله - قبضناه إلينا - يدل عليه وكذلك قوله - يسيرا - كما قال - ذلك حشر علينا يسير - شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر . والسبات : الموت ، والمسبوت : الميت لأنه مقطوع الحياة ، وهذا كقوله - وهو الذي يتوفاكم بالليل - فإن قلت : هلا فسرته بالراحة ؟ قلت : النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الورد وهو مرنق ، وهذه الآية