تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم . يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم . إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم .
شرح
منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها فلذلك يتسع فيها مالا يتسع في غيرها . فإن قلت : فأي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلا ؟ قلت : الفائدة في بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن المتكلم به ، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم . فإن قلت : فما معنى يكون والكلام بدونه متلئب لو قيل مالنا أن نتكلم بهذا ؟ قلت : معناه معنى ينبغي ويصح : أي ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح لنا ونحوه - ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق - و ( سبحانك ) للتعجب من عظم الامر . فإن قلت : ما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟ قلت : الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه الصلاة والسلام فاجرة . فإن قلت : كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة ؟ قلت : لان الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم ، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر ، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات : أي كراهة ( أن تعودوا ) أو في أن تعودوا من قولك وعظت فلانا في كذا فتركه . وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، و ( إن كنتم مؤمنين ) فيه تهييج لهم ليتعظوا وتذكير بما يوجب ترك العود وهو اتصافهم بالايمان الصاد عن كل مقبح . ويبين الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع ويعلمكم من الآداب الجميلة ويعظكم به من المواعظ الشافية ، والله عالم بكل شئ فاعل لما يفعله بدواعي الحكمة . المعنى : يشيعون الفاحشة الفاحشة عن قصد إلى الإشاعة وإرادة ومحبة لها . وعذاب الدنيا الحد ، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي وحسانا ومسطحا وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره . وقيل هو المراد بقوله - والذي تولى كبره منهم - ( والله يعلم ) ما في القلوب من الاسرار والضمائر ( وأنتم لا تعلمون ) يعنى أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة وهو معاقبه عليها . وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب حاذفا جواب لولا كما حذفه ثمة ، وفى هذا التكرير مع حذف الجواب مبالغة عظيمة وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم . الفحشاء والفاحشة : ما أفرط قبحه ، قال أبو ذؤيب :
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 55 | الزمخشري