ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم . يعظكم
الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم .
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة
والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم .
شرح
منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها فلذلك يتسع فيها مالا يتسع في غيرها . فإن قلت : فأي فائدة في تقديم
الظرف حتى أوقع فاصلا ؟ قلت : الفائدة في بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما سمعوا بالإفك عن المتكلم
به ، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم . فإن قلت : فما معنى يكون والكلام بدونه متلئب لو قيل مالنا أن
نتكلم بهذا ؟ قلت : معناه معنى ينبغي ويصح : أي ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا وما يصح لنا ونحوه - ما يكون لي أن
أقول ما ليس لي بحق - و ( سبحانك ) للتعجب من عظم الامر . فإن قلت : ما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟
قلت : الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو لتنزيه
الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه الصلاة والسلام فاجرة . فإن قلت : كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة
نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة ؟ قلت : لان الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم ، فيجب أن
لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر ، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات : أي كراهة ( أن
تعودوا ) أو في أن تعودوا من قولك وعظت فلانا في كذا فتركه . وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، و ( إن كنتم
مؤمنين ) فيه تهييج لهم ليتعظوا وتذكير بما يوجب ترك العود وهو اتصافهم بالايمان الصاد عن كل مقبح . ويبين
الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع ويعلمكم من الآداب الجميلة ويعظكم به من المواعظ
الشافية ، والله عالم بكل شئ فاعل لما يفعله بدواعي الحكمة . المعنى : يشيعون الفاحشة الفاحشة عن قصد إلى الإشاعة
وإرادة ومحبة لها . وعذاب الدنيا الحد ، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي وحسانا
ومسطحا وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره . وقيل هو المراد بقوله - والذي تولى كبره منهم -
( والله يعلم ) ما في القلوب من الاسرار والضمائر ( وأنتم لا تعلمون ) يعنى أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة وهو
معاقبه عليها . وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب حاذفا جواب لولا كما حذفه ثمة ، وفى هذا التكرير مع حذف
الجواب مبالغة عظيمة وكذلك في التواب والرؤوف والرحيم . الفحشاء والفاحشة : ما أفرط قبحه ، قال أبو ذؤيب :