لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون .
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب
عظيم . إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا
وهو عند الله عظيم .
شرح
يشيع ما سمعه بأخوات . جعل الله التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفاءها ،
والذين رموا عائشة رضي الله عنها لم تكن لهم بينة على قولهم فقامت عليهم الحجة وكانوا ( عند الله ) أي في حكمه
وشريعته كاذبين ، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره ، واحتجاج عليهم بما هو
ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة والتنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء
المسلمين ، فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبة حبيب الله .
لولا الأولى للتحضيض وهذه لامتناع الشئ لوجود غيره ، والمعنى : ولولا أنى قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا
بضروب النعم التي من جملتها الامهال للتسوية ، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على
ما خضتم فيه من حديث الإفك . يقال أفاض في الحديث وندفع وهضب وخاض ( إذ ) ظرف لمسكم أو لافضتم
( تلقونه ) يأخذه بعضكم من بعض ، يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه ، ومنه قوله تعالى - فتلقى آدم من ربه كلمات -
وقرئ على الأصل تتلقونه وإذ تلقونه بإدغام الذال في التاء ، وتلقونه من لقيه بمعنى لقفه ، وتلقونه من إلقائه
بعضهم على بعض وتلقونه وتألقونه من الولق والألق وهو الكذب وتلقونه محكية عن عائشة رضي الله عنها . وعن سفيان
سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . فإن قلت : ما معنى قوله
( بأفواهكم ) والقول لا يكون إلا بالفم ؟ قلت : معناه أن الشئ المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان ،
وهذا الإفك ليس إلا قولا يجرى على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب كقوله تعالى
- يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم - أي تحسبونه صغيرة وهو عند الله كبيرة موجبة . وعن بعضهم أنه جزع عند
الموت ، فقيل له فقال : أخاف ذنبا لم يكن منى على بال وهو عند الله عظيم . وفي كلام بعضهم : لا تقولن لشئ
من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير . وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم
بها : أحدها تلقى الإفك بألسنتهم وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك ؟ فيحدثه بحيث الإفك حتى
شاع وانتشر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه . والثاني التكلم بما لا علم لهم به ، والثالث استصغارهم لذلك وهو
عظيمة من العظائم . فإن قلت : كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم ؟ قلت : للظروف شأن وهو تنزلها من الأشياء