* ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون * أفأنت تسمع الصم أو
تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين * فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون
شرح
كما قيل العمران والقمران . فإن قلت : فما بعد المشرقين ؟ قلت : تباعدهما ، والأصل بعد المشرق من المغرب
والمغرب من المشرق ، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية أضاف البعد إليهما ( أنكم ) في محل الرفع على الفاعلية يعنى
ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه
وتقسمهم لشدته وعنائه ، وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب مالا تبلغه طاقته ، ولك أن تجعل الفعل للتمني
في قوله - يا ليت بيني وبينك - على معنى : ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين ، وقوله - أنكم
في العذاب مشتركون - تعليل : أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم
مشتركين في سببه وهو الكفر ، وتقويه قراءة من قرأ إنكم بالكسر . وقيل إذا رأى الممنو بشدة من منى بمثلها روحه
ذلك ونفس بعض كربه وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء * أعزى النفس عنه بالتأسي * فهؤلاء لا يؤسيهم
اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه فإن قلت : ما معنى قوله تعالى - إذ ظلمتم - ؟ قلت : معناه إذ صح ظلمكم
وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين وذلك يوم القيامة ، وإذ بدل من اليوم ونظيره :
* إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * أي تبين أنى ولد كريمة . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد ويجتهد ويكد
روحه في دعاء قومه وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميما على الكفر وتماديا في الغى فأنكر عليه بقوله ( أفأنت
تسمع الصم ) إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم ، وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو
وحده على سبيل الإلجاء والقسر كقوله تعالى - إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور - ما في قوله
( فإما نذهبن بك ) بمنزلة لام القسم في أنها إذا دخلت دخلت معها النون المؤكدة والمعنى : فإن قبضناك قبل أن
ننصرك عليهم ونشفى صدور المؤمنين منهم ( فإنا منهم منتقمون ) أشد الانتقام في الآخرة كقوله تعالى - أو نتوفينك