تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
* ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون * أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين * فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون
شرح
كما قيل العمران والقمران . فإن قلت : فما بعد المشرقين ؟ قلت : تباعدهما ، والأصل بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق ، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية أضاف البعد إليهما ( أنكم ) في محل الرفع على الفاعلية يعنى ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه ، وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب مالا تبلغه طاقته ، ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله - يا ليت بيني وبينك - على معنى : ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين ، وقوله - أنكم في العذاب مشتركون - تعليل : أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر ، وتقويه قراءة من قرأ إنكم بالكسر . وقيل إذا رأى الممنو بشدة من منى بمثلها روحه ذلك ونفس بعض كربه وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء * أعزى النفس عنه بالتأسي * فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه فإن قلت : ما معنى قوله تعالى - إذ ظلمتم - ؟ قلت : معناه إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين وذلك يوم القيامة ، وإذ بدل من اليوم ونظيره : * إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * أي تبين أنى ولد كريمة . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد ويجتهد ويكد روحه في دعاء قومه وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميما على الكفر وتماديا في الغى فأنكر عليه بقوله ( أفأنت تسمع الصم ) إنكار تعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم ، وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده على سبيل الإلجاء والقسر كقوله تعالى - إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور - ما في قوله ( فإما نذهبن بك ) بمنزلة لام القسم في أنها إذا دخلت دخلت معها النون المؤكدة والمعنى : فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم ونشفى صدور المؤمنين منهم ( فإنا منهم منتقمون ) أشد الانتقام في الآخرة كقوله تعالى - أو نتوفينك
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 489 | الزمخشري