تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم * أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين * وكم أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون * فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين * ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم *
شرح
بينها ( حكيم ) ذو حكمة بالغة : أي منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه وهو مثبت في أم الكتاب هكذا ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) بمعنى أفننحى عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز من قولهم ضرب الغرائب عن الحوض ، ومنه قول الحجاج ولأضربنكم ضرب عرائب الإبل ، وقال طرفة : اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر ، إنكار لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب وخلقه قرآنا عربيا ليعقلوه ويعلموا بمواجبه وصفحا على وجهين : إما مصدر من صفح عنه إذا أعرض منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم ، وإما بمعنى الجانب من قولهم نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه على معنى أفننحيه عنكم جانبا فينتصب على الظرف كما تقول ضعه جانبا وامش جانبا ، وتعضده قراءة من قرأ صفحا بالضم ، وفي هذه القراءة وجه آخر وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح وينتصب على الحال : أي صافحين معرضين ( أن كنتم ) أي لأن كنتم ، وقرئ إن كنتم وإذ كنتم . فإن قلت : كيف استقام معنى إن الشرطية وقد كانوا مسرفين على البت ؟ قلت : هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه استجهالا له ( وما يأتيهم ) حكاية حال ماضية مستمرة : أي كانوا على ذلك ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه ، الضمير في ( أشد منهم ) للقوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم " ومضى مثل الأولين " أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجبية التي حقها أن تسير مسير المثل ، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم . فإن قلت : قوله ( ليقولن خلقهن العزيز العليم ) وما سرد من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم فما تصنع بقوله - فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك