* وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم * أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما
مسرفين * وكم أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به
يستهزئون * فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين * ولئن سألتهم من خلق
السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم *
شرح
بينها ( حكيم ) ذو حكمة بالغة : أي منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه وهو مثبت في أم الكتاب هكذا ( أفنضرب
عنكم الذكر صفحا ) بمعنى أفننحى عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز من قولهم ضرب الغرائب عن
الحوض ، ومنه قول الحجاج ولأضربنكم ضرب عرائب الإبل ، وقال طرفة :
اضرب عنك الهموم طارقها * ضربك بالسيف قونس الفرس
والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر ، إنكار لأن يكون الأمر على خلاف
ما قدم من إنزاله الكتاب وخلقه قرآنا عربيا ليعقلوه ويعلموا بمواجبه وصفحا على وجهين : إما مصدر من صفح
عنه إذا أعرض منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضا عنكم ، وإما
بمعنى الجانب من قولهم نظر إليه بصفح وجهه وصفح وجهه على معنى أفننحيه عنكم جانبا فينتصب على الظرف
كما تقول ضعه جانبا وامش جانبا ، وتعضده قراءة من قرأ صفحا بالضم ، وفي هذه القراءة وجه آخر وهو أن
يكون تخفيف صفح جمع صفوح وينتصب على الحال : أي صافحين معرضين ( أن كنتم ) أي لأن كنتم ، وقرئ إن
كنتم وإذ كنتم . فإن قلت : كيف استقام معنى إن الشرطية وقد كانوا مسرفين على البت ؟ قلت : هو من الشرط
الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ،
وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه
استجهالا له ( وما يأتيهم ) حكاية حال ماضية مستمرة : أي كانوا على ذلك ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله
عليه وسلم عن استهزاء قومه ، الضمير في ( أشد منهم ) للقوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يخبره عنهم " ومضى مثل الأولين " أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجبية
التي حقها أن تسير مسير المثل ، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم . فإن قلت : قوله ( ليقولن
خلقهن العزيز العليم ) وما سرد من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم فما تصنع بقوله - فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك