فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون *
ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم
وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق
كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم
تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم
شرح
الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد . فإن قلت : أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك
هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع ، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة ؟
قلت : للدلالة على أنه مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذرا ولا علة ، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها
ويقتضيها ( صاعقة العذاب ) داهية العذاب وقارعة العذاب ، و ( الهون ) الهوان وصف به العذاب مبالغة أو أبدله
منه ، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم وكفى به
شاهدا إلا هذه الآية لكفى بها حجة . قرئ يحشر على البناء للمفعول ونحشر بالنون وضم الشين وكسرها ، ويحشر
على البناء للفاعل : أي يحشر الله عز وجل ( أعداء الله ) الكفار من الأولين والآخرين ( يوزعون ) أي يحبس
أولهم على آخرهم : أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم وهى عبارة عن كثرة أهل النار ، نسأل الله أن
يجيرنا منها بسعة رحمته . فإن قلت : ما في قوله ( حتى إذا ما جاءوها ) ما هي : قلت : مزيدة للتأكيد ، ومعنى
التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ولا وجه لأن يخلو منها ، ومثله قوله تعالى
- أثم إذا ما وقع آمنتم به - أي لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . شهادة الجلود بالملامسة للحرام وما
أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات . فإن قلت : كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق ؟ قلت : الله عز
وجل ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاما ، وقيل المراد بالجلود الجوارح ، وقيل هي كناية عن الفروج .