تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون * ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم
شرح
الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد . فإن قلت : أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع ، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة ؟ قلت : للدلالة على أنه مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذرا ولا علة ، فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها ( صاعقة العذاب ) داهية العذاب وقارعة العذاب ، و ( الهون ) الهوان وصف به العذاب مبالغة أو أبدله منه ، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم وكفى به شاهدا إلا هذه الآية لكفى بها حجة . قرئ يحشر على البناء للمفعول ونحشر بالنون وضم الشين وكسرها ، ويحشر على البناء للفاعل : أي يحشر الله عز وجل ( أعداء الله ) الكفار من الأولين والآخرين ( يوزعون ) أي يحبس أولهم على آخرهم : أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم وهى عبارة عن كثرة أهل النار ، نسأل الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته . فإن قلت : ما في قوله ( حتى إذا ما جاءوها ) ما هي : قلت : مزيدة للتأكيد ، ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ولا وجه لأن يخلو منها ، ومثله قوله تعالى - أثم إذا ما وقع آمنتم به - أي لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . شهادة الجلود بالملامسة للحرام وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات . فإن قلت : كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق ؟ قلت : الله عز وجل ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاما ، وقيل المراد بالجلود الجوارح ، وقيل هي كناية عن الفروج .
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 450 | الزمخشري