تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون * أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين
شرح
بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم ، وهذه أغراض دينية إما واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم ، وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته ، ومعنى قوله ( وعليها وعلى الفلك تحملون ) وعلى الأنعام وحدها لا تحملون ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر . فإن قلت : هلا قيل وفي الفلك كما قال - قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين - قلت : معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم ، لأن الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها فلما صح المعنيان صحت العبارتان وأيضا فليطابق قوله وعليها ويزاوجه ( فأي آيات الله ) جاءت على اللغة المستفيضة ، وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب ، وهى في أي أغرب لإبهامه ( وآثارا ) قصورهم ومصانعهم ، وقيل مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم ( فما أغنى عنهم ) ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب ، والثانية موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع : يعنى أي شئ أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم ( فرحوا بما عندهم من العلم ) فيه وجوه : منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى - بل ادارك علمهم في الآخرة - وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لانبعث ولا نعذب - وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لي عنده للحسنى - وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا - وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء كما قال عز وجل - كل حزب بما لديهم فرحون - ومنها أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بنى يونان ، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم . وعن سقراط أنه سمع بموسى صلوات الله عليه وسلامه ، وقيل له لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا . ومنها أن يوضع قوله فرحوا بما عندهم من العلم - ولا علم عندهم البتة موضع قوله لم يفرحوا بما جاءهم من العلم مبالغة في نفى فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء . ومنها أن يراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك منه واستهزاء كأنه قال : استهزءوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين ، ويدل عليه قوله تعالى - وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون - . ومنها أن يجعل الفرح للرسل ومعناه أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي واستهزاءهم بالحق أبا وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم