وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون * أفلم يسيروا
في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة
وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جاءتهم رسلهم بالبينات
فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا
آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين
شرح
بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم ، وهذه أغراض دينية إما واجبة أو مندوب إليها مما
يتعلق به إرادة الحكيم ، وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته ، ومعنى قوله ( وعليها
وعلى الفلك تحملون ) وعلى الأنعام وحدها لا تحملون ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر . فإن قلت : هلا قيل
وفي الفلك كما قال - قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين - قلت : معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم ،
لأن الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها فلما صح المعنيان صحت العبارتان وأيضا فليطابق قوله وعليها ويزاوجه
( فأي آيات الله ) جاءت على اللغة المستفيضة ، وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في
الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب ، وهى في أي أغرب لإبهامه ( وآثارا ) قصورهم ومصانعهم ،
وقيل مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم ( فما أغنى عنهم ) ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب ، والثانية
موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع : يعنى أي شئ أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم ( فرحوا بما عندهم من العلم )
فيه وجوه : منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى - بل ادارك علمهم في الآخرة - وعلمهم في
الآخرة أنهم كانوا يقولون لانبعث ولا نعذب - وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لي عنده للحسنى -
وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا - وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات
وعلم الأنبياء كما قال عز وجل - كل حزب بما لديهم فرحون - ومنها أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بنى يونان ،
وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم . وعن سقراط أنه سمع بموسى صلوات الله عليه
وسلامه ، وقيل له لو هاجرت إليه فقال : نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا . ومنها أن يوضع قوله
فرحوا بما عندهم من العلم - ولا علم عندهم البتة موضع قوله لم يفرحوا بما جاءهم من العلم مبالغة في نفى فرحهم بالوحي
الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفرط جهلهم وخلوهم من العلماء . ومنها أن يراد فرحوا بما عند الرسل من
العلم فرح ضحك منه واستهزاء كأنه قال : استهزءوا بالبينات وبما جاءوا به من علم الوحي فرحين مرحين ، ويدل عليه
قوله تعالى - وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون - . ومنها أن يجعل الفرح للرسل ومعناه أن الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي
واستهزاءهم بالحق أبا وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم