ثم إذا خولناه
نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن
أكثرهم لا يعلمون
شرح
على غير جزاء ( على علم ) أي على علم منى أنى سأعطاه لما في من فضل واستحقاق ، أو على علم من الله بي
وباستحقاقي ، أو على علم منى بوجوه الكسب كما قال قارون - على علم عندي - فإن قلت : لم ذكر الضمير في
أوتيته وهو للنعمة ؟ قلت : ذهابا به إلى المعنى لأن قوله - نعمة منا - شيئا من النعم وقسما منها ، ويحتمل أن تكون " ما " في
إنما موصولة لاكافة فيرجع إليها الضمير على معنى إن الذي أوتيته على علم ( بل هي فتنة ) إنكار لقوله
كأنه قال ما خولناك من النعمة لما تقول بل هي فتنة : أي ابتلاء وامتحان لك أتشكر أو تكفر . فإن قلت : كيف
ذكر الضمير ثم أنثه ؟ قلت : حملا على المعنى أولا وعلى اللفظ آخرا ، ولأن الخبر لما كان مؤنثا أعني فتنة ساغ
تأنيث المبتدأ لأجله لأنه في معناه كقولهم ما جاءت حاجتك . وقرئ بل هو فتنة على وفق إنما أوتيته . وفإن قلت :
ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟ قلت : السبب في ذلك أن هذه وقعت
مسببة عن قوله - وإذا ذكر الله وحده اشمأزت - على معنى أنهم شيمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة ،
فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي اعتراض . فإن قلت :
حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه ؟ قلت : ما في الاعتراض من دعاء رسول الله صل يا لله عليه وسلم ربه
بأمر منه وقوله - أنت تحكم بينهم - ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى
الله في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل : قل يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجراءة
ويرتكبون مثل هذا المنكر إلا أنت ، وقوله ولو أن للذين ظلموا متناول لهم ، ولكل طلم إن جعل مطلقا أو إياهم
خاصة إن عنيتهم به كأنه قيل ، ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به حين أحكم عليهم
بسوء العذاب ، وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها إلا علم النظم وإلا بقيت محتجبة في أكمامها ، وأما الآية الأولى
فلم تقع مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو كقولك قام زيد وقعد عمرو . فإن قلت : من أي
وجه وقعت مسببة والاشمئزاز عن ذكر الله ليس بمقتض لالتجائهم إليه بل هو مقتض لصدوفهم عنه ؟ قلت :