قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار
* رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار * قل هو نبأ
عظيم * أنتم عنه معرضون * ما كان لي من علم بالملأ الأعلى
إذ يختصمون * إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين إذ قال ربك
للملائكة
شرح
لم سمى ذلك تخاصما ؟ قلت : شبه تقاولهم وما يجرى بينهم من السؤال والجواب بما يجرى بين المتخاصمين من نحو
ذلك ، ولأن قول الرؤساء لا مرحبا بهم وقول أتباعهم بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة ، فسمى التقاول كله
تخاصما لأجل اشتماله على ذلك ( قل ) يا محمد لمشركي مكة ما أنا إلا رسول ( منذر ) أنذركم عذاب الله للمشركين
وأقول لكم إن الدين الحق توحيد الله وأن يعتقد أن لا إله إلا الله ( الواحد ) بلا ند ولا شريك ( القهار ) لكل شئ
وأن الملك والربوبية له في العالم كله ، وهو ( العزيز ) الذي لا يغلب إذا عاقب العصاة ، وهو مع ذلك ( الغفار )
لذنوب من التجأ إليه . أو قل لهم ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم ، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته ، فإن مثله حقيق
بأن يخاف عقابه كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه ( قل هو نبأ عظيم ) أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا
وأن الله واحد لا شريك له نبأ عطيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة . ثم احتج لصحة نبوته بأن ما ينبئ به
عن الملأ الأعلى واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط ، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي يسلكه الناس في علم
ما لم يعلموا وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب ، فعلم أن ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله ( إن يوحى إلى إلا
أنما أنا نذير ) أي لأنما أنا نذير ، ومعناه : ما يوحى إلى إلا للإنذار فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه ،
ويجوز أن يرتفع على معنى ما يوحى إلى إلا هذا ، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك : أي ما أومر إلا بهذا الأمر
وحده وليس إلى غير ذلك . وقرئ إنما بالكسر على الحكاية : أي إلا هذا القول وهو أن أقول لكم - إنما أنا نذير
مبين - ولا أدعى شيئا آخر . وقيل النبأ العظيم : قصص آدم عليه السلام والإنباء به من غير سماع من أحد . وعن
ابن عباس : القرآن . وعن الحسن : يوم القيامة . فإن قلت : بم يتعلق إذ يختصمون ؟ قلت : بمحذوف لأن المعنى
ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم ، و ( إذ قال ) بدل من إذ يختصمون . فإن قلت : ما المراد
بالملأ الأعلى ؟ قلت : أصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم . فإن قلت :
ما كان التقاول بينهم إنما كان بين الله تعالى وبينهم لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال لهم وقالوا له ، فأنت بين
أمرين : إما أن تقول الملأ الأعلى هؤلاء ومان التقاول بينهم ولم يكن التقاول بينهم ، وإما أن تقول التقاول كان
بين الله وبينهم فقد جعلته من الملأ الأعلى . قلت : كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك ، فكأن المقاول في