تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فأخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين
شرح
الأولى وهى ( خلقتني من نار ) مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه في البيان والإيضاح ( منها ) من الجنة وقيل من السماوات ، وقيل من الخلقة التي أنت فيها لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ما كان حسنا وأظلم بعد ما كان نورانيا . والرجيم : المرجوم ومعناه المطرود كما قيل له المدحور والملعون لأن من طرد رمى بالحجارة على أثره والرجم الرمي بالحجارة ، أو لأن الشياطين يرجمون بالشهب . فإن قلت : قوله ( لعنتي إلى يوم الدين ) كأن لعنة إبليس غايتها يوم الدين ثم تنقطع . قلت : كيف تنقطع وقد قال الله تعالى - فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين - ولكن المعنى : أن عليه اللعنة في الدنيا ، فإذا كان يوم الدين اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة فكأنها انقطعت . فإن قلت : ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم ؟ قلت : الوقت الذي تقع فيه النفخة الأولى ويومه الذي وقت النفخة جزء من أجزائه ، ومعنى المعلوم : أنه معلوم عند الله معين لا يستقدم ولا يستأخر ( فبعزتك ) إقسام بعزة الله تعالى وهى سلطانه وقهره . قرئ فالحق والحق منصوبين على أن الأول مقسم به كالله في : إن عليك الله أن تبايعا ، وجوابه ( لأملأن ) . والحق أول اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه ، ومعناه ولا أقول إلا الحق ، والمراد بالحق إما اسمه عز وعلا الذي في قوله - إن الله هو الحق المبين - أو الحق الذي هو نقيض الباطل عظمه الله بإقسامه به ، ومرفوعين على أن الأول مبتدأ محذوف الخبر كقوله لعمرك : أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقول : أي أقوله كقوله كله لم أصنع ، ومجرورين على أن الأول مقسم به قد أضمر حرف قسمه كقولك الله لأفعلن والحق أقول : أي ولا أقول إلا الحق على حكاية لفظ المقسم به ومعناه التوكيد والتشديد ، وهذا الوجه جائز في المنصوب والمرفوع أيضا وهو وجه دقيق حسن . وقرئ برفع الأول وجره مع نصب الثاني وتخريجه على ما ذكرنا ( منك ) من جنسك وهم الشياطين ( وممن تبعك منهم ) من ذرية آدم . فإن قلت : أجمعين تأكيد لماذا ؟ قلت : لا يخلو أن يؤكد به الضمير في منهم أو الكاف في منك مع من تبعك ، ومعناه : لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين لا أترك منهم أحدا ، أو لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت