وما منا إلا له مقام معلوم . وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون . وإن كانوا
ليقولون . لو أن عندنا ذكرا من الأولين . لكنا عباد الله المخلصين . فكفروا به فسوف
يعلمون . ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين .
شرح
فإنك والكتاب إلى علي * كدابغة وقد حلم الأديم
وقرأ الحسن صال الجحيم بضم اللام ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها أن يكون جمعا وسقوط واوه لالتقاء الساكنين
هي ولام التعريف . فإن قلت : كيف استقام الجمع مع قوله من هو ؟ قلت : من موحد اللفظ مجموع المعنى ، فحمل
هو على لفظه والصالون على معناه كما حمل في مواضع من التنزيل على لفظ من ومعناه في آية واحدة . والثاني أن
يكون أصله صائل على القلب ثم يقال صال في صائل كقولهم شاك في شائك . والثالث أن تحذف لام صال تخفيفا
ويجرى الإعراب على عينه كما حذف من قولهم ما باليت به بالة وأصلها بالية من بالى كعافية من عافى ، ونظيره قراءة
من قرأ - وجنى الجنتين دان - وله الجوار المنشئات - بإجراء الإعراب على العين ( وما منا ) أحد ( إلا له مقام معلوم )
فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه كقوله * أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * * بكفى كان من أرمى البشر *
مقام معلوم : مقام في العبادة والانتهاء إلى أمر الله مقصور عليه لا يتجاوزه كما روى " فمنهم راكع لا يقيم صلبه
وساجد لا يرفع رأسه " ( لنحن الصافون ) نصف أقدامنا في الصلاة : أو أجنحتنا في الهواء منتظرين ما نؤمر . وقيل
نصف أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين . وقيل إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية
وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين ( المسبحون ) المنزهون أو المصلون ، والوجه أن
يكون هذا وما قبله من قوله - سبحان الله عما يصفون - من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله ولقد علمت
الجنة كأنه قيل : ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله
فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباد الله المخلصين وبرؤوهم منه وقالوا للكفرة : فإذا صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون
أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه وتضلوه إلا من كان مثلكم ممن علم الله لكفرهم لا لتقديره وإرادته ، تعالى الله
عما يقول الظالمون علوا كبيرا أنهم من أهل النار ، وكيف نكون مناسبين لرب العزة ويجمعنا وإياه جنسية واحدة وما
نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه ، لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفرا خشوعا لعظمته وتواضعا لجلاله ،
ونحن الصافون أقدامنا لعبادته أو أجنحتنا مذعنين خاضعين مسبحين ممجدين كما يجب على العباد لربهم ، وقيل هو
من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعنى وما من المسلمين أحدا إلا له مقام معلوم يوم القيامة على قدر
عمله من قوله تعالى - عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا - ثم ذكر أعمالهم وأنهم هم الذين يصطفون في الصلاة
ويسبحون الله وينزهونه مما يضيف إليه من لا يعرفه مما لا يجوز عليه هم مشركو قريش ، كانوا يقولون ( لو أن عندنا
ذكرا ) أي كتابا ( من ) كتب ( الأولين ) الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل لأخلصنا العبادة لله ولما كذبنا كما
كذبوا ولما خالفنا كما خالفوا ، فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب
فكفروا به ونحوه - فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا - ( فسوف يعلمون ) مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام .
وأن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة ، وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه مؤكدين للقول جادين فيه ، فكم بين