* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند
من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون * يا حسرة
على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون
شرح
الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام ، ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم
في أمره ، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة ، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا ولم تعقبه إلا سعادة ، لان في ذلك
زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور والأول أوجه . وقرئ المكرمين . فإن قلت : " ما " في قوله تعالى ( بما غفر
لي ربي ) أي الماءات هي ؟ قلت : المصدرية أو الموصولة : أي بالذي غفره لي من الذنوب ، ويحتمل أن تكون
استفهامية : يعني بأي شئ غفر لي ربي ، يريد به ما كان منه معهم من المصابرة لاعزاز الدين حتى قتل ، إلا أن
قولك بم غفر لي بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزا ، يقال قد علمت بما صنعت هذا ؟ أي بأي شئ صنعت
وبم صنعت . المعنى : أن الله كفى أمرهم نصيحة ملك ولم ينزل لاهلاكهم جندا من جنود السماء كما فعل يوم بدر
والخندق . فإن قلت : وما معنى قوله ( وما كنا منزلين ) ؟ قلت : معناه وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل
في إهلاك قوم حبيب جندا من السماء وذلك لان الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض ، وما
ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة ، ألا ترى إلى قوله تعالى - فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم
من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا - فإن قلت : فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر
والخندق قال تعالى - فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها - بألف من الملائكة مردفين - بثلاثة آلاف من الملائكة
منزلين - بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ؟ قلت : إنما كان يكفي ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط
بريشة من جناح جبريل وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه ، ولكن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم بكل
شئ على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل فضلا عن حبيب النجار ، وأولاه من أسباب الكرامة والاعتزاز ما لم
يوله أحدا ، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء وكأنه أشار بقوله - وما أنزلنا - وما كنا منزلين - إلى أن إنزال
الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله بغيرك ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) إن كانت
الآخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة . وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامة : أي ما وقعت إلا صيحة ،
والقياس والاستعمال على تذكير الفعل ، لان المعنى : ما وقع شئ إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ ، وأن
الصيحة في حكم فاعل الفعل ، ومثلها قراءة الحسن - فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم - وبيت ذي الرمة :
* وما بقيت إلا الضلوع الجراشع * وقرأ ابن مسعود : إلا زقية واحدة من زقا الطائر يزقو ويزقى إذا صاح ،
ومنه المثل : أثقل من الزواقي ( خامدون ) خمدوا كما تخمد النار فتعود رمادا كما قال لبيد :
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
( يا حسرة على العباد ) نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها : تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري
فيها وهي حال استهزائهم بالرسل ، والمعنى : أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون
أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين . ويجوز أن يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة