تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين * وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون * يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون
شرح
الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام ، ويجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره ، وأنه كان على صواب ونصيحة وشفقة ، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا ولم تعقبه إلا سعادة ، لان في ذلك زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور والأول أوجه . وقرئ المكرمين . فإن قلت : " ما " في قوله تعالى ( بما غفر لي ربي ) أي الماءات هي ؟ قلت : المصدرية أو الموصولة : أي بالذي غفره لي من الذنوب ، ويحتمل أن تكون استفهامية : يعني بأي شئ غفر لي ربي ، يريد به ما كان منه معهم من المصابرة لاعزاز الدين حتى قتل ، إلا أن قولك بم غفر لي بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزا ، يقال قد علمت بما صنعت هذا ؟ أي بأي شئ صنعت وبم صنعت . المعنى : أن الله كفى أمرهم نصيحة ملك ولم ينزل لاهلاكهم جندا من جنود السماء كما فعل يوم بدر والخندق . فإن قلت : وما معنى قوله ( وما كنا منزلين ) ؟ قلت : معناه وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندا من السماء وذلك لان الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض ، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة ، ألا ترى إلى قوله تعالى - فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا - فإن قلت : فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق قال تعالى - فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها - بألف من الملائكة مردفين - بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين - بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ؟ قلت : إنما كان يكفي ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه ، ولكن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شئ على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل فضلا عن حبيب النجار ، وأولاه من أسباب الكرامة والاعتزاز ما لم يوله أحدا ، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء وكأنه أشار بقوله - وما أنزلنا - وما كنا منزلين - إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله بغيرك ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) إن كانت الآخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة . وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامة : أي ما وقعت إلا صيحة ، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل ، لان المعنى : ما وقع شئ إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ ، وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل ، ومثلها قراءة الحسن - فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم - وبيت ذي الرمة : * وما بقيت إلا الضلوع الجراشع * وقرأ ابن مسعود : إلا زقية واحدة من زقا الطائر يزقو ويزقى إذا صاح ، ومنه المثل : أثقل من الزواقي ( خامدون ) خمدوا كما تخمد النار فتعود رمادا كما قال لبيد : وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع ( يا حسرة على العباد ) نداء للحسرة عليهم كأنما قيل لها : تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل ، والمعنى : أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين . ويجوز أن يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة