إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم
إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ المبين
* قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم
معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون * وجاء من أقصى المدينة رجل
يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين
شرح
وذل الباطل ، وإذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه كأن ما سواه مرفوض
مطرح ، ونظيره قولك : حكم السلطان اليوم بالحق . الغرض المسوق إليه قولك بالحق فلذلك رفضت ذكر
المحكوم له والمحكوم عليه . إنما رفع بشر ونصب في قوله - ما هذا بشرا - لان إلا تنقض النفي فلا يبقى لما المشبهة بليس
شبه فلا يبقى له عمل . فإن قلت : لم قيل ( إنا إليكم مرسلون ) أولا ، و ( إنا إليكم لمرسلون ) آخرا ؟ قلت : لان الأول
ابتداء إخبار ، والثاني جواب عن إنكار . وقوله ربنا يعلم جار مجرى القسم في التوكيد وكذلك قولهم : شهد الله ، وعلم
الله ، وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد والتحقيق مع قولهم ( وما علينا الا البلاغ المبين ) أي
الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته ، وإلا فلو قال المدعى : والله إني لصادق فيما أدعى ولم يحضر البينة
كان قبيحا ( تطيرنا بكم ) تشاءمنا بكم ، وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منهم نفوسهم ، وعادة الجهال أن يتيمنوا
بكل شئ مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم نعمة أو بلاء
قالوا ببركة هذا وبشؤم هذا كما حكى الله عن القبط - وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه - وعن مشركي
مكة - وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك - وقيل حبس عنهم القطر فقالوا ذلك . وعن قتادة : إن أصابنا شئ
كان من أجلكم ( طائركم معكم ) وقرئ طيركم : أي سبب شؤمكم معكم وهو كفرهم ، أو أسباب شؤمكم معكم
وهي كفرهم ومعاصيهم . وقرأ الحسن أطيركم : أي تطيركم . وقرئ أئن ذكرتم بهمزة الاستفهام وأن الناصبة : يعني
أتطيركم لان ذكرتم . وقرئ أن وإن بغير استفهام لمعنى الاخبار : أي تطيرتم لان ذكرتم أو إن ذكرتم تطيرتم ،
وقرئ أين ذكرتم على التخفيف : أي شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم وإذا شئم المكان بذكرهم ، كان بحلولهم فيه
أشأم ( بل أنتم قوم مسرفون ) في العصيان ومن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل رسل الله وتذكيرهم أو بل أنتم قوم
مسرفون في ضلالكم متمادون في غيكم حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله ( رجل يسعى ) هو حبيب
ابن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام ، وهو ممن آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائة سنة كما آمن
به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره . وقيل كان في غار يعبد الله ، فلما بلغه