تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون * وإن كل لما جميع لدينا محضرون * وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون * وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ثمره
شرح
في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحنوها به وفرط إنكاره له وتعجيبه منه ، وقراءة من قرأ يا حسرنا تعضد هذا الوجه ، لان المعنى : يا حسرتي وقرئ يا حسرة العباد على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم من حيث إنها موجهة إليهم ، ويا حسرة على العباد على إجراء الوصل مجرى الوقف ( ألم يروا ) ألم يعلموا ، وهو معلق عن العمل في ( كم ) لان كم لا يعمل فيها عامل قبلها كانت للاستفهام أو للخبر لان أصلها الاستفهام إلا أن معناه نافذ في الجملة كما نفذ قي قولك : ألم يروا إن زيادا لمنطلق ، وإن لم يعمل في لفظه ، و ( أنهم إليهم لا يرجعون ) بدل من كم أهلكنا على المعنى لا على اللفظ ، تقديره : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم . وعن الحسن : كسر إن على الاستئناف . وفي قراءة ابن مسعود ألم يروا من أهلكنا ، والبدل على هذه القراءة بدل اشتمال ، وهذا مما يرد قول أهل الرجعة . ويحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قيل له : إن قوما يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة ، فقال : بئس القوم نحن إن نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه . قرئ لما بالتخفيف على أن ما صلة للتأكيد وإن مخففة من الثقيلة وهي متلقاة باللام لا محالة ، ولما بالتشديد بمعنى إلا كالتي في مسألة الكتاب نشدتك بالله لما فعلت وإن نافية . والتنوين في كل هو الذي يقع عوضا من المضاف إليه كقولك مررت بكل قائما ، والمعنى : أن كلهم محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة ، وقيل محضرون معذبون . فإن قلت : كيف أخبر عن كل بجميع ومعناهما واحد ؟ قلت : ليس بواحد لان كلا يفيد معنى الإحاطة وأن لا ينفلت منهم أحد والجميع معناه الاجتماع وأن المحشر يجمعهم والجميع فعيل بمعنى مفعول ، يقال حي جميع وجاءوا جميعا . القراءة بالميتة على الخفة أشيع لسلسها على اللسان ، و ( أحييناها ) استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية وكذلك نسلخ . ويجوز أن توصف الأرض والليل بالفعل لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض وليل بأعيانهما فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالافعال ، ونحوه * ولقد أمر على اللئيم يسبني * وقوله ( فمنه يأكلون ) بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشئ الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الانس ، وإذا قل جاء القحط ووقع الضر ، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء . قرئ ( وفجرنا ) بالتخفيف والتثقيل والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى ، وقرئ ( ثمره ) بفتحتين وضمتين وضمة وسكون والضمير لله تعالى ، والمعنى : ليأكلوا مما خلقه الله
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 321 | الزمخشري