تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين * واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا
شرح
المسلمين وسكة أحدثها فيها تخسيرهم ، وشئ أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها ، ونحوه قوله تعالى - ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر - أي قدم من أعماله وأخر من آثاره . وقيل هي آثار المشائين إلى المساجد . وعن جابر " أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتانا في ديارنا وقال : يا بني سلمة بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد ، فقلنا : نعم بعد علينا المسجد والبقاع حوله خالية ، فقال : عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم " قال فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن عمر بن عبد العزيز : لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح . والامام : اللوح . وقرئ ويكتب ما قدموا وأثارهم على البناء للمفعول وكل شئ بالرفع ( واضرب لهم مثلا ) ومثل لهم مثلا ، من قولهم : عندي من هذا الضرب كذا : أي من هذا المثال ، وهذه الأشياء على ضرب واحد : أي على مثال واحد ، والمعنى : واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية : أي أذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية ، والمثل الثاني بيان للأول . وانتصاب إذ بأنه بدل من أصحاب القرية . والقرية : أنطاكية و ( المرسلون ) رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان . أرسل إليهم اثنين ، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب يس ، فسألهما فأخبراه ، فقال : أمعكما آية ؟ فقالا : نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص ، وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فقام ، فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ، ورقى حديثهما إلى الملك وقال لهما : ألنا إله سوى آلهتنا ؟ قالا : نعم من أوجدك وآلهتك ، فقال : حتى انظر في أمركما فتبعهما الناس وضربوهما ، وقيل حبسا ثم بعث عيسى عليه السلام شمعون فدخل متنكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به ، فقال له ذات يوم : بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه ؟ فقال لا ، حال الغضب بيني وبين ذلك ، فدعاهما فقال شمعون : من أرسلكما ؟ قالا الله الذي خلق كل شئ وليس له شريك ، فقال : صفاه وأوجزا ، قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، قال : وما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنى الملك ، فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما ، فقال له شمعون : أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله الشرف ؟ قال : ليس لي عنك سر إن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلى ويتضرع ويحسبون أنه منهم ، ثم قال : إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال : إني أدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا ، وقال : فتحت أبواب السماء فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة ، قال الملك ، ومن هم ؟ قال : شمعون وهذان ، فتعجب الملك ، فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن معه قوم ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا ( فعززنا ) فقوينا ، يقال المطر يعزز الأرض : إذا لبدها وشدها ، وتعزز لحم الناقة . وقرئ بالتخفيف من عزه يعزه : إذا غلبه ، أي فغلبنا وقهرنا ( بثالث ) وهو شمعون . فإن قلت : لم ترك ذكر المفعول به ؟ قلت : لان الغرض المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق