وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون .
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم
الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين .
وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم .
شرح
قلت : شبه الله حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به ، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون
بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه . ويجوز أن يريد أنهم كاذبون لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه ،
كالكاذبين الذين يعدون الشئ وفى قلوبهم نية الخلف ( وليحملن أثقالهم ) أي أثقال أنفسهم ( وأثقالا ) يعنى أثقالا
أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهى أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم ( وليسئلن ) سؤال تقريع ( عما
كانوا يفترون ) أي نحتلقون من الأكاذيب والأباطيل . وقرئ من خطيئاتهم . كان عمر نوح عليه السلام ألفا
وخمسين سنة ، بعث على رأس أربعين ولبث في قومه تسعمائة وخمسين وعاش بعد الطوفان ستين . وعن وهب أنه
عاش ألفا وأربعمائة سنة . فإن قلت : هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة ؟ قلت : ما أورده الله أحكم ، لأنه لو قيل
كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره ، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك ، وكأنه قيل تسعمائة
وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة . وفيه نكتة أخرى وهى أن القصة
مسوقة لذكر ما ابتلى به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وتثبيتا له ، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره
فإن قلت : فلم جاء المميز أولا بالسنة وثانيا بالعام ؟ قلت : لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق
بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك ،
و ( الطوفان ) ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما ، قال العجاج :
* وغم طوفان الظلام الأثأبا * ( أصحاب السفينة ) كانوا ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور ونصفهم إناث
منهم أولاد نوح عليه السلام سام وحام ويافث ونساؤهم . وعن محمد بن إسحاق : كانوا عشرة خمسة رجال وخمس
نسوة . وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة . والضمير في ( وجعلناها )
للسفينة أو للحادثة والقصة . نصب ( إبراهيم ) بإضمار أذكر وأبدل عنه ( إذ ) بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل