تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون . ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين . وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم .
شرح
قلت : شبه الله حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به ، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه . ويجوز أن يريد أنهم كاذبون لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه ، كالكاذبين الذين يعدون الشئ وفى قلوبهم نية الخلف ( وليحملن أثقالهم ) أي أثقال أنفسهم ( وأثقالا ) يعنى أثقالا أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها وهى أثقال الذين كانوا سببا في ضلالهم ( وليسئلن ) سؤال تقريع ( عما كانوا يفترون ) أي نحتلقون من الأكاذيب والأباطيل . وقرئ من خطيئاتهم . كان عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين سنة ، بعث على رأس أربعين ولبث في قومه تسعمائة وخمسين وعاش بعد الطوفان ستين . وعن وهب أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة . فإن قلت : هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة ؟ قلت : ما أورده الله أحكم ، لأنه لو قيل كما قلت لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره ، وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك ، وكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة . وفيه نكتة أخرى وهى أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلى به نوح عليه السلام من أمته وما كابده من طول المصابرة تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له ، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره فإن قلت : فلم جاء المميز أولا بالسنة وثانيا بالعام ؟ قلت : لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في البلاغة إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك ، و ( الطوفان ) ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما ، قال العجاج : * وغم طوفان الظلام الأثأبا * ( أصحاب السفينة ) كانوا ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح عليه السلام سام وحام ويافث ونساؤهم . وعن محمد بن إسحاق : كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة . وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة . والضمير في ( وجعلناها ) للسفينة أو للحادثة والقصة . نصب ( إبراهيم ) بإضمار أذكر وأبدل عنه ( إذ ) بدل الاشتمال لأن الأحيان تشتمل