فرعون وملأه إنهم كانوا قوما فاسقين . قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن
يقتلون . وأخي هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف
أن يكذبون . قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما
بآياتنا أنتما ومن أتبعكما الغالبون . فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا
إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين .
شرح
بتكرير العين واللام معا ، والدليل على زيادة النون قولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان ، ونظيره تسميتهم إياها
سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها . يقال ردأته أعنته ، والرده اسم مايعان به فعل بمعنى مفعول به كما أن الدف ء
اسم لما يدفأ به ، قال سلامة بن جندل :
وردئي كل أبيض مشرفي * شحيذ الحد عضب ذي فلول
وقرئ ردا على التخفيف كما قرئ الخب ( ردءا يصدقني ) بالرفع والجزم صفة وجواب نحو - وليا يرثني - سواء .
فإن قلت : تصديق أخيه ما الفائدة فيه ؟ قلت : ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت أو يقول للناس صدق
موسى وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق ويبسط القول فيه ويجادل به الكفار كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة ،
فذلك جار مجرى التصديق المفيد كما يصدق القول بالبرهان ، ألا ترى إلى قوله - وأخي هارون هو أفصح منى لسانا
فأرسله معي - وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك لا لقوله صدقت ، فإن سحبان وباقلا يستويان فيه ، أو يصل
جناح كلامه بالبيان حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه ، فأسند التصديق إلى هارون لأنه السبب فيه إسنادا مجازيا ،
ومعنى الإسناد المجازى أن التصديق حقيقة في المصدق فإسناده إليه حقيقة وليس في السبب تصديق ، ولكن أستعير
له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة ، والدليل على هذا الوجه قوله - إني أخاف أن
يكذبون - وقراءة من قرأ ردءا يصدقوني وفيها تقوية للقراءة بجزم يصدقني . العضد قوام اليد وبشدتها تشتد ، قال
طرفة : أبنى لبيني لستمو بيد * إلا يدا ليست لها عضد
ويقال في دعاء الخير : شد الله عضدك ، وفى ضده : فت الله في عضدك ، ومعنى ( سنشد عضدك بأخيك )
سنقويك به ونعينك فإما أن يكون ذلك لأن اليد تشتد بشدة العضد والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور ،
وإما لأن الرجل شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة ( سلطانا ) غلبة وتسلطا
أو حجة واضحة ( بآياتنا ) متعلق بنحو ما تعلق به في تسع آيات : أي اذهبا بآياتنا ، أو بنجعل لكما سلطانا : أي
نسلطكما بآياتنا ، أو بلا يصلون : أي تمتنعون منهم بآياتنا ، أو هو بيان للغالبون لا صلة لامتناع تقدم الصلة على
الموصول ولو تأخر لم يكن إلا صلة له ، ويجوز أن يكون قسما جوابه لا يصلون مقدما عليه أو من لغو القسم
( سحر مفترى ) سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله ، أو سحر ظاهر افتراؤه أو موصوف بالافتراء ، كسائر أنواع
السحر وليس بمعجزة من عند الله ( في آبائنا ) حال منصوبة عن هذا : أي كائنا في زمانهم وأيامهم يريد ما حدثنا