فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا
إني آنست نارا لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون .
شرح
تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر وهو المطالبة بتتمة العشر فما معنى تعليق العدوان بهما
جميعا ؟ قلت : معناه كما أنى إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه ، فذلك إن طولبت بالزيادة على
الثمان ، أراد بذلك تقرير أمر الخيار وأنه ثابت مستقر وأن الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت
بينهما في القضاء ، وأما التتمة فموكولة إلى رأيي إن شئت أتيت بها وإلا لم أجبر عليها . وقيل معناه : فلا أكون متعديا
وهو في نفى العدوان عن نفسه كقولك : لا إثم على ولا تبعة على . وفى قراءة ابن مسعود أي الأجلين ما قضيت ،
وقرئ أيما بسكون الياء كقوله :
تنظرت نصرا والسماكين أيهما * على من الغيث استهلت مواطره
وعن ابن قطيب عدوان بالكسر . فإن قلت : ما الفرق بين موقعي ما المزيدة في القراءتين ؟ قلت : وقعت في
المستفيضة مؤكدة لإبهام أي زائدة في شياعها ، وفى الشاذة تأكيد القضاء كأنه قال : أي الأجلين صممت على
قضائه وجردت عزيمتي له . الوكيل الذي وكل إليه الأمر ، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت
عدى بعلى لذلك . روى أن شعيبا كانت عنده عصى الأنبياء فقال لموسى بالليل : ادخل ذلك البيت فخذ عصا من
تلك العصى ، فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ، فمسها وكان
مكفوفا فضن بها فقال غيرها ، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات ، فعلم أنه له شأنا . وقيل أخذها جبريل بعد موت
آدم فكانت معه حتى لقى بها موسى ليلا ، وقيل أودعها شعيبا ملك في صورة رجل فأمر بنته أن تأتيه بعصا فأتته
بها ، فردها سبع مرات فلم يقع في يده غيرها ، فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة ، فتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم
بينهما أول طالع ، فأتاهما الملك فقال : ألقياها فمن رفعها فهي له ، فعالجها الشيخ فلم يطقها ورفعها موسى ، وعن
الحسن : ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا ، وعن الكلبي : الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ،
ومنها كانت عصاه ، ولما أصبح قال له شعيب : إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان
بها أكثر إلا أن فيها تنينا أخشاه عليك وعلى الغنم ، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها ، فمشى على أثرها
فإذا عشب وريف لم ير مثله ، فنام فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية ،
فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك ، ولما رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن ،
فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا ، وقال له : إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع
ودرعاء ، فأوحى إليه في المنام أن اضرب بعصاك مستقى الغنم ففعل ثم سقى ، فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع
ودرعاء فوفى له بشرطه " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأجلين قضى موسى ؟ فقال : أبعدهما وأبطأهما "
وروى أنه قال : " قضى أوفاهما وتزوج صغراهما " وهذا خلاف الرواية التي سبقت . الجذوة باللغات الثلاث وقرئ
بهن جميعا : العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن ، قال كثير :
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها * جذل الجذى غير خوار ولا دعر