قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين . قال إني أريد
أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج
شرح
وأمانته ؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو وأنه صوب رأسه حين بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه ، وقولها
( إن خير من استأجرت القوى الأمين ) كلام حكيم جامع لا يزاد عليه ، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان : أعني
الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك ، وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق
المثل والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته . فإن قلت : كيف جعل خير من استأجرت اسما لأن والقوى الأمين
خبرا ؟ قلت : هو مثل قوله :
ألا إن خير الناس حيا وهالكا * أسير ثقيف عندهم في السلاسل
في أن العناية هي سبب التقديم ، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبرا اسما ، وورود الفعل
بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف ، ومنه قولهم : أهون ما أعملت لسان ممخ . وعن ابن مسعود
رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله - عسى أن ينفعنا - وأبو بكر في عمر .
روى أنه أنكحه صفراء ، وقوله ( هاتين ) فيه دليل على أنه كان له غيرهما ( تأجرني ) من أجرته إذا كنت له أجيرا ،
كقولك أبوته إذا كنت له أبا ، و ( ثماني حجج ) ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ومنه تعزية رسول الله صلى
الله عليه وسلم " أجركم الله ورحمكم " وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج . فإن قلت : كيف صح أن
ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز ؟ قلت : لم يكن ذلك عقدا للنكاح ولكن مواعدة ومواصفة أمر قد عزم عليه ،
ولو كان عقد لقال قد أنكحتك ولم يقل إني أريد أن أنكحك . فإن قلت : فكيف صح أن يمهرها إجارة نفسه في رعية