إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير . فجاءته إحداهما تمشى على
استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه
القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين .
شرح
ومسقيهم إبل مثلا ، وكذلك قولهما لا نسقى حتى يصدر الرعاء المقصود فيه السقي لا المسقى . فإن قلت : كيف طابق
جوابهما سؤاله ؟ قلت : سألهما عن سبب الذود فقالتا : السبب في ذلك أنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على
مساجلة الرجل ومزاحمتهم ، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا ، وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ قد
أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به ، أبلتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسها . فإن قلت : كيف ساغ لنبي الله
الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لا بنتيه بسقى الماشية ؟ قلت : الأمر في نفسه ليس بمحظور ، فالدين لا يأباه ،
وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك ، والعادات متباينة فيه ، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب
أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة ( إني ) لأي شئ ( أنزلت إلى )
قليل أو كثير غث أو سمين ل ( فقير ) وإنما عدى فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب . قيل ذكر ذلك وإن
خضرة البقل تترا : أي في بطنه من الهزل ما سأل الله إلا أكلة . ويحتمل أن يريد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت
إلى من خير الدين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، قال : ذلك رضا بالبدل السنى
وفرحا به وشكرا له . وكان الظل ظل سمرة ( على استحياء ) في موضع الحال : أي مستحيية متخفرة . وقيل استرت
بكم درعها . روى أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا
رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا ، فقال لإحداهما ، اذهبي فادعيه لي ، فتبعها موسى ، فألزقت الريح ثوبها بجسدها
فوصفته ، فقال لها : أمشي خلفي وانعتى لي الطريق . فلما قص عليه قصته قال له : لا تخف فلا سلطان لفرعون
بأرضنا . فإن قلت : كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشى معها وهى أجنبية ؟ قلت : أما العمل بقول
امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى في الأخبار ، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه
يدعوه ليجزيه ، وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع . فإن قلت :
كيف صح له أخذ الأجر على البر والمعروف ؟ قلت : يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر
والمعروف وقبل إطعام شعيب وإحسانه ، لا على سبيل أخذ الأجر ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدأ ، كيف
وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوة من أولاد يعقوب ، ومثله حقيق بأن يضيف ويكرم خصوصا في
دار نبي من أنبياء الله ، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلبا للأجر . وقد روى ما يعضد كلا
القولين . روى أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك ، ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا
بطلاع الأرض ذهبا ، ولا نأخذ على المعروف ثمنا ، حتى قال شعيب : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا . وعن
عطاء بن السائب : رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ليجزيك أجر ما سقيت : أي جزاء سقيك . والقصص
مصدر كالعلل سمى به المقصوص . كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء ، وصفراء هي التي ذهبت به
وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهى التي تزوجها . وعن ابن عباس أن شعيبا أحفظته الغيرة فقال : وما علمك بقوته