تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير . فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين .
شرح
ومسقيهم إبل مثلا ، وكذلك قولهما لا نسقى حتى يصدر الرعاء المقصود فيه السقي لا المسقى . فإن قلت : كيف طابق جوابهما سؤاله ؟ قلت : سألهما عن سبب الذود فقالتا : السبب في ذلك أنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجل ومزاحمتهم ، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا ، وما لنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به ، أبلتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسها . فإن قلت : كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لا بنتيه بسقى الماشية ؟ قلت : الأمر في نفسه ليس بمحظور ، فالدين لا يأباه ، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك ، والعادات متباينة فيه ، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة ( إني ) لأي شئ ( أنزلت إلى ) قليل أو كثير غث أو سمين ل‍ ( فقير ) وإنما عدى فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب . قيل ذكر ذلك وإن خضرة البقل تترا : أي في بطنه من الهزل ما سأل الله إلا أكلة . ويحتمل أن يريد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلى من خير الدين وهو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، قال : ذلك رضا بالبدل السنى وفرحا به وشكرا له . وكان الظل ظل سمرة ( على استحياء ) في موضع الحال : أي مستحيية متخفرة . وقيل استرت بكم درعها . روى أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا ، فقال لإحداهما ، اذهبي فادعيه لي ، فتبعها موسى ، فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته ، فقال لها : أمشي خلفي وانعتى لي الطريق . فلما قص عليه قصته قال له : لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا . فإن قلت : كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشى معها وهى أجنبية ؟ قلت : أما العمل بقول امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى في الأخبار ، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه ، وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع . فإن قلت : كيف صح له أخذ الأجر على البر والمعروف ؟ قلت : يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر والمعروف وقبل إطعام شعيب وإحسانه ، لا على سبيل أخذ الأجر ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدأ ، كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوة من أولاد يعقوب ، ومثله حقيق بأن يضيف ويكرم خصوصا في دار نبي من أنبياء الله ، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلبا للأجر . وقد روى ما يعضد كلا القولين . روى أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك ، ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهبا ، ولا نأخذ على المعروف ثمنا ، حتى قال شعيب : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا . وعن عطاء بن السائب : رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل له ليجزيك أجر ما سقيت : أي جزاء سقيك . والقصص مصدر كالعلل سمى به المقصوص . كبراهما كانت تسمى صفراء والصغرى صفيراء ، وصفراء هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره وهى التي تزوجها . وعن ابن عباس أن شعيبا أحفظته الغيرة فقال : وما علمك بقوته