ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون . ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم
صادقين . قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون . وإن ربك
لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون . وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم
وما يعلنون . وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين . إن هذا القرآن
يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون .
شرح
جحود ودليل على كفر مؤكد مبالغ فيه ، والضمير في إنا لهم ولآبائهم لأن كونهم ترابا قد تناولهم وآباءهم . فإن
قلت : قدم في هذه الآية هذا على نحن وآباؤنا وفى آية أخرى قدم نحن وآباؤنا على هذا . قلت : التقديم دليل على
أن المقدم هو الغرض المتعمد بالذكر ، وأن الكلام إنما سيق لأجله ، ففي إحدى الآيتين دل على أن اتخاذ البعث هو
الذي تعمد بالكلام ، وفى الأخرى على أن اتخاذ المبعوث بذلك الصدد . لم تلحق علامة التأنيث بفعل العاقبة لأن
تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم . وأراد بالمجرمين الكافرين ، وإنما عبر عن الكفر بلفظ
الإجرام ليكون لطفا للمسلمين في ترك الجرائم وتخوف عاقبتها ، ألا ترى إلى قوله - فدمدم عليهم ربهم بذنبهم -
وقوله - مما خطيئاتهم أغرقوا - ( ولا تحزن عليهم ) لأنهم لم يتبعوك ولم يسلموا فيسلموا وهم قومه قريش كقوله تعالى
- فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا - ( في ضيق ) في حرج صدر من مكرهم وكيدهم
لك ولا تبال بذلك فإن الله يعصمك من الناس ، يقال ضاق الشئ ضيقا وضيقا بالفتح والكسر وقد قرئ بهما ،
والضيق أيضا تخفيف الضيق ، قال الله تعالى - ضيقا حرجا - قرئ مخففا ومثقلا ، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من
مكرهم . استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم ( عسى أن يكون ) ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام
للتأكيد كالباء في - ولا تلقوا بأيديكم - أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم ومعناه تبعكم
ولحقكم ، وقد عدى بمن قال :
فلما ردفنا من عمير وصحبه * تولوا سراعا والمنية تعنق
يعنى دنونا من عمير . وقرأ الأعرج ردف لكم بوزن ذهب وهما لغتان والكسر أفصح . وعسى ولعل وسوف
في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده وما مجال للشك بعده ، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم
وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أن عدوهم لا يفوتهم وأن الرمزة إلى أغراض كافية
من جهتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده . الفضل والفاضلة الإفضال ولفلان فواضل في قومه وفضول ،
ومعناه : أنه مفضل عليهم بتأخير العقوبة وأنه لا يعاجلهم بها ، وأكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه
ولكنهم بجهلهم يستعجلون وقوع العقاب وهم قريش . قرئ تكن ، يقال كننت الشئ وأكننته إذا سترته وأخفيته ،
يعنى أنه يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك بما
يستوجبونه . سمى الشئ الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية فكانت التاء فيهما بمنزلتها في العافية والعاقبة ، ونظائرهما