ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين . أولم
ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ
حي أفلا يؤمنون . وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا
لعلهم يهتدون .
شرح
متوقعون من أمارة ضعيفة كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه
رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله " . وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم
عنده وأثنى عليهم وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية ، فاجأ بالوعيد الشديد وأنذر بعذاب جهنم
من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل مع إحاطة علمه بأنه لا يكون كما قال - ولو أشركوا لحبط
عنهم ما كانوا يعملون - قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد . قرئ ( ألم ير ) بغير واو ، و ( رتقا )
بفتح التاء وكلاهما في معنى المفعول كالخلق والنفض : أي كانتا مرتوقتين . فإن قلت : الرتق صالح أن يقع موقع
مرتوقتين لأنه مصدر فما بال الرتق ؟ قلت : هو على تقدير موصوف : أي كانتا شيئا رتقا ، ومعنى ذلك أن السماء
كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما ، أو كانت السماوات متلاصقات وكذلك الأرضون لا فرج بينهما ففتقها الله
وفرج بينها ، وقيل ففتقناهما بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة ، وإنما قيل كانتا دون كن لأن المراد جماعة
السماوات وجماعة الأرض ، ونحوه قولهم لقاحان سوداوان : أي جماعتان فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر .
فإن قلت : متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أنه وارد في القرآن الذي هو
معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد ، والثاني أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل ،
فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه ( وجعلنا ) لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين ، فإن
تعدى إلى واحد فالمعنى : خلقنا من الماء كل حيوان كقوله - والله خلق كل دابة من ماء - أو كأنما خلقناه من
الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله تعالى - خلق الإنسان من عجل - وإن تعدى إلى اثنين ،
فالمعنى : صيرنا كل شئ حي بسبب من الماء لابد له منه ، ومن هذا نحو من في قوله عليه الصلاة والسلام " ما أنا
من دد ولا الدد منى " وقرئ حيا وهو المفعول الثاني والظرف لغو : أي كراهة ( أي تميد بهم ) وتضطرب أو لئلا
تميد بهم فحذف لا واللام ، وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما تزاد لذلك في نحو قوله - لئلا يعلم - وهذا
مذهب الكوفيين . الفج : الطريق الواسع . فإن قلت : في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر
كما في قوله تعالى - لتسلكوا منها سبلا فجاجا - ؟ قلت : لم تقدم وهى صفة ولكن جعلت حالا كقوله :