تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين . أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون . وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون .
شرح
متوقعون من أمارة ضعيفة كائنون على حذر ورقبة لا يأمنون مكر الله ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله " . وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية ، فاجأ بالوعيد الشديد وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل مع إحاطة علمه بأنه لا يكون كما قال - ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون - قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد . قرئ ( ألم ير ) بغير واو ، و ( رتقا ) بفتح التاء وكلاهما في معنى المفعول كالخلق والنفض : أي كانتا مرتوقتين . فإن قلت : الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر فما بال الرتق ؟ قلت : هو على تقدير موصوف : أي كانتا شيئا رتقا ، ومعنى ذلك أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما ، أو كانت السماوات متلاصقات وكذلك الأرضون لا فرج بينهما ففتقها الله وفرج بينها ، وقيل ففتقناهما بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة ، وإنما قيل كانتا دون كن لأن المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض ، ونحوه قولهم لقاحان سوداوان : أي جماعتان فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر . فإن قلت : متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد ، والثاني أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل ، فلا بد للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه ( وجعلنا ) لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين ، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى : خلقنا من الماء كل حيوان كقوله - والله خلق كل دابة من ماء - أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله تعالى - خلق الإنسان من عجل - وإن تعدى إلى اثنين ، فالمعنى : صيرنا كل شئ حي بسبب من الماء لابد له منه ، ومن هذا نحو من في قوله عليه الصلاة والسلام " ما أنا من دد ولا الدد منى " وقرئ حيا وهو المفعول الثاني والظرف لغو : أي كراهة ( أي تميد بهم ) وتضطرب أو لئلا تميد بهم فحذف لا واللام ، وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما تزاد لذلك في نحو قوله - لئلا يعلم - وهذا مذهب الكوفيين . الفج : الطريق الواسع . فإن قلت : في الفجاج معنى الوصف فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى - لتسلكوا منها سبلا فجاجا - ؟ قلت : لم تقدم وهى صفة ولكن جعلت حالا كقوله :
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 570 | الزمخشري