هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون . وما
أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون . وقالوا اتخذ الرحمن
ولدا سبحانه بل عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين
أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون .
شرح
ذلك إما من جهة العقل وإما من جهة الوحي ، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأولين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن
الأنداد مدعو إليه والإشراك به منهى عنه متوعد عليه أي ( هذا ) الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفى الشركاء
عنه كما ورد على فقد ورد على جميع الأنبياء ، فهو ذكر : أي عظة للذين معي : يعنى أمته ، وذكر للذين من
قبلي : يريد أمم الأنبياء عليهم السلام . وقرئ ( ذكر من معي وذكر من قبلي ) بالتنوين ، ومن مفعول منصوب
بالذكر كقوله - أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما - وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله
- غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - وقرئ من معي ومن قبلي على من الإضافية في هذه
القراءة وإدخال الجار على مع غريب ، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف نحو قبل وبعد وعند ولدن وما أشبه ذلك ،
فدخل عليه من كما يدخل على أخواته . وقرئ ذكر معي وذكر قبلي . كأنه قيل : بل عندهم ما هو أصل الشر
والفساد كله وهو الجهل وفقد العلم وعدم التمييز بين الحق والباطل ، فمن ثم جاء هذا الإعراض ومن هناك ورد هذا
الإنكار . وقرئ ( الحق ) بالرفع على توسيط التوكيد بين السبب والمسبب ، والمعنى : أن إعراضهم بسبب الجهل
هو الحق لا الباطل . ويجوز أن يكون المنصوب أيضا على هذا المعنى كما تقول هذا عبد الله الحق لا الباطل ( يوحى )
ونوحى مشهورتان ، وهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد . نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات
الله . نزه ذاته عن ذلك ثم أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافى الولادة إلا أنهم ( مكرمون ) مقربون عندي
مفضلون على سائر العباد لما هم عليه من أفعال وصفات ليست لغيرهم ، فذلك هو الذي غر منهم من زعم أنهم
أولادي تعاليت عن ذلك علوا كبيرا . وقرئ مكرمون و ( لا يسبقونه ) بالضم من سابقته فسبقته أسبقه ، والمعنى :
أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله فلا يسبق قولهم قوله ، والمراد بقولهم فأنيب اللام مناب الإضافة أي
لا يتقدمون قوله بقولهم كما تقول سبقت بفرسي فرسه . وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضا كذلك مبنى على أمره
لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به ، وجميع ما يأتون ويذرون مما قدموا وأخروا بعين الله وهو مجازيهم عليه فلإحاطتهم
بذلك يضبطون أنفسهم ويراعون أحوالهم ويعمرون أوقاتهم ، ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن
ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم ، ثم إنهم مع هذا كله من خشية الله ( مشفقون ) أي