تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين . ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين . لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون . وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين . فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون . لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون .
شرح
حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا ، وإنما أحالهم على أولئك لأنهم كانوا يشايعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى - ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا - فلا يكاذبونهم فيما هم فيه ردء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يأكلون الطعام ) صفة لجسدا ، والمعنى : وما جعلنا الأنبياء عليهم السلام قبله ذوي جسد غير طاعمين . ووحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي ضرب من الأجساد ، وهذا رد لقولهم : ما لهذا الرسول يأكل الطعام . فإن قلت : نعم قد رد إنكارهم أن يكون الرسول بشرا يأكل ويشرب بما ذكرت فماذا رد من قولهم بقوله ( وما كانوا خالدين ) ؟ قلت : يحتمل أن يقولوا : إنه بشر مثلنا يعيش كما نعيش ويموت كما نموت ، أو يقولوا : هلا كان ملكا لا يطعم ويخلد ، إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون أو مسمين حياتهم المتطاولة وبقاءهم الممتد خلودا ( صدقناهم الوعد ) مثل - واختار موسى قومه - والأصل في الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم القتال وصدقني سن بكره ( ومن نشاء ) هم المؤمنون ومن في بقاءه مصلحة ( ذكركم ) شرفكم وصيتكم كما قال - وإنه لذكر لك ولقومك - أو موعظتكم ، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء أو حسن الذكر كحسن الجوار والوفاء بالعهد وصدق الحديث وأداء الأمانة والسخاء وما أشبه ذلك ( وكم قصمنا من قرية ) واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط عظيم ، لأن القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف القصم ، وأراد بالقرية أهلها ولذلك وصفها بالظلم وقال ( قوما آخرين ) لأن المعنى : أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين . وعن ابن عباس : أنها حضور وهى وسحول قريتان باليمن تنسب إليهما الثياب . وفى الحديث " كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين " . وروى " حضوريين " بعث الله إليهم نبيا فقتلوه ، فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم . وروى أنهم لما أخذتهم السيوف ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ندموا واعترفوا بالخطأ وذلك حين لم ينفعهم الندم ، وظاهر الآية على الكثرة . ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية . فلما علموا شدة عذابنا وبطشتنا علم حس ومشاهدة لم يشكوا فيها ركضوا من ديارهم ، والركض : ضرب الدابة بالرجل ، ومنه قوله تعالى - اركض برجلك - فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين لدوابهم فقيل لهم ( لا تركضوا ) والقول محذوف . فإن قلت : من القائل ؟ قلت : يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من المؤمنين ، أو يجعلوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ) من العيش الرأفة والحال الناعمة ، والإتراف : إبطار النعمة وهى الترفه ( لعلكم تسئلون ) تهكم بهم وتوبيخ : أي ارجعوا إلى
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 564 | الزمخشري