تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا . قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى . وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى . أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى .
شرح
وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه . الضنك مصدر يستوى في الوصف به المذكر والمؤنث وقرئ ( ضنكى ) على فعلى ، ومعنى ذلك أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله وعلى قسمته ، فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح وسهولة فيعيش عيشا رافعا كما قال عز وجل - فلنحيينه حياة طيبة - والمعرض عن الدين مسؤول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق ، فعيشه ضنك وحاله مظلمة ، كما قال بعض المتصوفة : لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه ، ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره ، قال الله تعالى - وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله - وقال - ولو أنهم أقاموا التوراة والأنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم - وقال - ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض - وقال - استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا - وقال - وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا - وعن الحسن : هو الضريع والزقوم في النار . وعن أبي سعيد الخدري : عذاب القبر . وقرئ ( ونحشره ) بالجزم عطفا على محل - فإن له معيشة ضنكا - لأنه جواب الشرط . وقرئ ونحشره بسكون الهاء على ( كذلك ) أي مثل ذلك فعلت أنت ، ثم فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر وتركتها وعميت عنها ، فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك . لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين المعيشة الضنك في الدنيا وحشره أعمى في الآخرة ختم آيات الوعيد بقوله ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) كأنه قال : وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشد من ضيق العيش المنقضى ، أو أراد : ولتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا . فاعل لم يهد الجملة بعده يريد ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه ، ونظيره قوله تعالى - وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين - أي تركنا عليه هذا الكلام ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول ويدل عليه القراءة بالنون . وقرئ ( يمشون ) يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون ( في مساكنهم ) ويعاينون آثار هلاكهم . الكلمة السابقة هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة ، يقول : لولا هذه العدة لكان مثل إهلاكنا عادا وثمود لازما لهؤلاء الكفرة . واللزام إما مصدر لازم وصف به ، وإما فعال بمعنى مفعل : أي ملزم كأنه آلة اللزوم لفرط لزومه كما قالوا لزاز خصم ( وأجل مسمى ) لا يخلوا من أن يكون معطوفا على كلمة أو على الضمير في كل : أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد