تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 557

مساهمون:

ص٥٥٧
وملك لا يبلى . فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى . ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى . قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة
شرح
لأن من أكل منها خلد بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأن من باشر أثره حيى ( وملك لا يبلى ) دليل على قراءة الحسن بن علي وابن عباس رضي الله عنهم : إلا أن تكونا ملكين بالكسر . طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ وأنشأ ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا ، وبينها وبينة مسافة قصيرة هي للشروع في أول الأمر ، وكاد لمشارفته والدنو منه . قرئ ( يخصفان ) للتكثير والتكرير من خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف : أي يلزقان الورق بسوآتهما للتستر وهو ورق التين . وقيل كان مدورا فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما . وقيل كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع عن ابن عباس : لا شبهة في أن آدم لم يمتثل ما رسم الله له وتخطى فيه ساحة الطاعة وذلك هو العصيان ، ولما عصى خرج فعله من أن يكون رشدا وخيرا فكان غيا لا محالة ، لأن الغى خلاف الرشد ، ولكن قوله ( وعصى آدم ربه فغوى ) بهذا الإطلاق وبهذا التصريح وحيث لم يقل وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك مما يعبر به عن الزلات والفرطات فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة ، وكأنه قيل لهم : انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة وبهذا اللفظ الشنيع ، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلا أن تجسروا على التورط في الكبائر ، وعن بعضهم : فغوى فبشم من كثرة الأكل ، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في فنى وبقى فنا وبقا وهم بنو طي تفسير خبيث . فإن قلت : ما معنى ( ثم اجتباه ربه ) ؟ قلت : ثم قبله بعد التوبة وقربه إليه من بي إلى كذا فاجتبته ونظيره جليت على العروس فاجتليتها ، ومنه قوله عز وجل - وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها - أي هلا جبيت إليك فاجتبيتها وأصل الكلمة الجمع ، ويقولون اجتبت الفرس نفسها : إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار ، و ( هدى ) أي وفقه لحفظ التوبة وغيره من أسباب العصمة والتقوى لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلى البشر والسببين اللذين منهما نشئوا وتفرعوا جعلا كأنهما المبشر في أنفسهما فخوطبا مخاطبتهم فقيل ( فإما يأتينكم ) على لفظ الجماعة ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب وهو في الحقيقة للمسبب ( هدى ) كتاب وشريعة . وعن ابن عباس : ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ، ثم تلا قوله ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) والمعنى : أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين ، فمن اتبع كتاب الله