تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى . فألقى السحرة
سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى . قال أأمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبير كم
شرح
وهذه على كثرتها أقل شئ وأنزره عنده فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها . وقرئ ( تلقف ) بالرفع على الاستئناف
أو على الحال : أي ألقها متلقفة . وقرئ تلقف بالتخفيف ( صنعوا ) ههنا بمعنى زوروا وافتعلوا كقوله تعالى - تلقف
ما يأفكون - قرئ ( كيد ساحر ) بالرفع والنصب فمن رفع فعلى أن ما موصولة ، ومن نصب فعلى أنها كافة .
وقرئ كيد سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو هم لتوغلهم في سحر هم كأنهم السحر بعينه وبذاته ، أو بين الكيد
لأنه يكون سحرا وغير سحر كما تبين المائة بدرهم ونحوه علم فقه وعلم نحو . فإن قلت : لم وحد ساحر ولم يجمع ؟
قلت : لأن القصد في هذا الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد ، فلو جمع لخيل أن المقصود هو العدد ، ألا
ترى إلى قوله ( ولا يفلح الساحر ) أي هذا الجنس . فإن قلت : فلم نكر أولا وعرف ثانيا ؟ قلت : إنما نكر من
أجل تنكير المضاف لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجاج * في سعى دنا طالما قد مدت * وفى حديث
عمر رضي الله عنه : لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة . المراد تنكير الأمر كأنه قيل : إن ما صنعوا كيد سحري وفى
سعى دنيوي وأمر دنيوي وآخري ( حيث أتى ) كقولهم حيث سير وأية سلك وأينما كان . سبحان الله ما أعجب
أمرهم ، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين
الإلقاءين ، وروى أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها . وعن عكرمة : لما خروا سجدا أراهم
الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها الجنة ( لكبير كم ) لعظيمكم ، يريد أنه أسحرهم وأعلاهم درجة في صناعتهم ،
أو لمعلمكم من قول أهل مكة للمعلم أمرني كبيري وقال لي كبيري ، كذا يريدون معلمهم وأستاذهم في القرآن