قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى . قال بل ألقوا فإذا حبالهم
وعصيهم يخيل إليه من سحر هم أنها تسعى . فأوجس في نفسه خيفة موسى . قلنا
لا تخف إنك أنت الأعلى . وألق ما في يمينك
شرح
فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة ، والجملة ابتدائية لا غير ، فتقدير قوله تعالى - فإذا حبالهم وعصيهم - ففاجأ
موسى وقت تخييل سعى حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل ، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي .
وقرئ ( عصيهم ) بالضم وهو الأصل والكسر اتباع ونحوه دلى ودلى وقسى وقسى . وقرئ ( تخيل ) على إسناده
إلى ضمير الحبال والعصى ، وإبدال قوله ( أنها تسعى ) من الضمير بدل الاشتمال كقولك أعجبني زيد كرمه ،
وتخيل على كون الحبال والعصى مخيلة سعيها ، وتخيل بمعنى تتخيل وطريقه طريق تخيل ونخيل على أن الله تعالى هو
المخيل للمحنة والابتلاء . يروى أنهم لطخوها بالزئبق ، فلما ضربت علها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت
ذلك . إيجاس الخوف إضمار شئ منه ، وكذلك توجس الصوت تسمع نبأة يسيرة منه وكان ذلك لطبع الجبلة
البشرية وأنه لا يكاد يمكن الخلو من مثله ، وقيل خاف أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه ( إنك أنت الأعلى ) فيه
تقرير لغلبته وقهره وتوكيد بالاستئناف وبكلمة التشديد وبتكرير الضمير وبلام التعريف وبلفظ العلو وهو الغلبة
الظاهرة وبالتفضيل . وقوله ( ما في يمينك ) ولم يقل عصاك جائز أن يكون تصغيرا لها : أي لا تبال بكثرة حبالهم
وعصيهم ، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره
وعظمها ، وجائز أن يكون تعظيما لها : أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها ،