لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم
بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذين لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم
بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى . فاجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح
اليوم من استعلى
شرح
في جميع أهل الوبر والمدر ( لا تفتروا على الله كذبا ) أي لا تدعوا آياته ومعجزاته سحرا . قرئ ( فيسحتكم ) والسحت
لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل نجد وبنى تميم ومنه قول الفرزدق : إلا مسحتا أو مجلف . في بيت لا تزال الركب
تصطك في تسوية إعرابه . عن ابن عباس : أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه . وعن قتادة : إن كان ساحرا
فسنغلبه ، وإن كان من السماء فله أمر ، وعن وهب لما قال ويلكم الآية قالوا : ما هذا بقول ساحر ، والظاهر أنهم
تشاوروا في السر وتجاذبوا أهداب القول ثم قالوا : إن هذان لساحران ، فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام
وتزويره خوفا من غلبتهما أو تثبيطا للناس عن اتباعهما . قرأ أبو عمرو ( إن هذين لساحران ) على الجهة الظاهرة
المكشوفة . وابن كثير وحفص إن هذان لساحران على قولك إن زيد لمنطلق ، واللام هي الفارقة بين إن النافية
والمخففة من الثقيلة . وقرأ أبى إن ذان إلا ساحران . وقرأ ابن مسعود أن هذان ساحران بفتح أن وبغير لام بدل من
النجوى . وقيل في القراءة المشهورة إن هذان لساحران هي لغة بلحرث بن كعب ، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء
التي آخرها ألف كعصا وسعدي فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب . وقال بعضهم : إن بمعنى نعم ، وساحران خبر
مبتدأ محذوف ، واللام داخلة على الجملة تقديره لهما ساحران ، وقد أعجب به أبو إسحاق . سموا مذهبهم الطريقة
( المثلى ) والسنة الفضلي - وكل حزب بما لديهم فرحون . وقيل أرادوا أهل طريقتهم المثلى وهم بنو إسرائيل لقول
موسى - فأرسل معنا بني إسرائيل - وقيل الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم ، يقال هم
طريقة قومهم ويقال للواحد أيضا هو طريقة قومه ( فأجمعوا كيدكم ) يعضده قوله - فجمع كيده - وقرئ فاجمعوا
كيدكم : أي أزمعوه واجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا ولا يخلف عنه واحد منكم كالمسألة المجمع عليها ، أمروا
بأن يأتوا صفا لأنه أهيب في صدور الرائين . روى أنهم كانوا سبعين ألفا مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد
أقبلوا إقبالة واحدة . وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى لأن الناس يجتمعون فيه لعيدهم وصلاتهم مصطفين .
ووجه صحته أن يقع علما لمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه ، أو يراد ائتوا مصلى من المصليات ( وقد أفلح اليوم من
استعلى ) اعتراض : يعنى وقد فاز من غلب . أن مع ما بعده إما منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بأنه خبر مبتدأ
محذوف معناه : اختر أحد الأمرين أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا ، وهذا التخيير منهم استعمال أدب حسن معه
وتواضع له وخفض جناح وتنبيه على إعطائهم النصفة من أنفسهم ، وكأن الله عز وعلا ألهمهم ذلك ، وعلم
موسى صلوات الله عليه اختيار إلقائهم أولا مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب حتى يبرزوا ما معهم من مكايد
السحر ويستنفدوا أقصى طوقهم ومجهودهم ، فإذا فعلوا أظهر الله سلطانه وقذف بالحق على الباطل فدمغه ، وسلط
المعجزة على السحر فمحقته ، وكانت آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين . يقال في إذا هذه إذا المفاجأة ، والتحقيق
فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها ، وجملة تضاف إليها خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها