وما تلك بيمينك يا موسى ؟ قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولى
فيها مآرب أخرى . قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا حية تسعى . قال خذها ولا تخف
سنعيدها سيرتها الأولى . واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية
شرح
نهى موسى عن التكذيب بالبعث أو أمره بالتصديق ، فكيف صلحت هذه العبارة لأداء هذا المقصود ؟ قلت :
فيه وجهان : أحدهما أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب . والثاني أن
صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته . فذكر المسبب ليدل على السبب كقولهم لا أرينك
ههنا ، المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته وذلك سبب رؤيته إياه ، فكان ذكر المسبب دليلا على السبب
كأنه قيل : فكن شديد الشكيمة صليب المعجم حتى لا يتلوح منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت
عليه : يعنى أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير ، إذ لا شئ أطم على الكفرة ولا هم أشد له نكيرا من البعث ،
فلا يهولنك وفور دهمائهم ولا عظم سوادهم ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك . واعلم أنهم وإن كثروا تلك الكثرة
فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه لا البرهان وتدبره . وفى هذا حث عظيم على العمل بالدليل ، وزجر بليغ عن
التقليد وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله ( وما تلك بيمينك يا موسى ) كقوله تعالى - وهذا بعلى شيخا -
في انتصاب الحال بمعنى الإشارة ، ويجوز أن تكون تلك اسما موصولا صلته بيمينك ، إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه
عز وعلا في الخشبة اليابسة من قلبها حية نضناضة ، وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين المقلوب عنه والمقلوب إليه
وينبهه على قدرته الباهرة ، ونظيره أن يريك الزراد زبرة من حديد ويقول لك ما هي ؟ فتقول زبرة حديد ، ثم يريك
بعد أيام لبوسا مسردا فيقول لك هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة وأنيق السرد . قرأ ابن أبي
إسحاق عصى على لغة هذيل ، ومثله يا بشرى ، أرادوا كسر ما قبل ياء المتكلم فلم يقدروا عليه فقلبوا الألف إلى
أخت الكسرة ، وقرأ الحسن ( عصاي ) بكسر الياء لالتقاء الساكنين وهو مثل قراءة حمزة بمصرخي ، وعن ابن أبي
إسحاق سكون الياء ( أتوكأ عليها ) أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة . هش
الورق خبطه : أي أخبطه على رؤوس غنمي تأكله . وعن لقمان بن عاد : أكلت حقا وابن لبون وجذع ،
وهشة نخب وسيلا دفع ، والحمد لله من غير شبع ، سمعته من غير واحد من العرب . ونخب واد قريب من
الطائف كثير السدر . وفى قراءة النخعي أهش وكلاهما من هش الخبز يهش إذا كان ينكسر لهشاشته ، وعن
عكرمة أهس بالسين : أي أنحى عليها زاجرا لها . والهس زجر الغنم . ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة
بالعصا كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال : ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات
جنسها وكما تنفع العيدان ، ليكون جوابه مطابقا للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه ويجوز أن يريد عز وجل
أن يعدد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها ، ثم يريه على عقب ذلك الآية العظيمة كأنه يقول له :
أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتد بها وتحتفل بشأنها ؟
وقالوا : إنما سأله ليبسط منه ويقلل هيبته ، وقالوا : إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه ،
وقالوا : انقطع لسانه بالهيبة فأجمل ، وقالوا : اسم العصا نبعة . وقيل في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن