أخرى . لنريك من آياتنا الكبرى . اذهب إلى فرعون إنه طغى .
شرح
فإذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين ، وإذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من
القوس والكنانة والحلاب وغيرها ، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء
واستظل ، وإذا قصر رشاؤه وصله بها ، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه . وقيل كان فيها من المعجزات أنه كان
يستقى بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا ، وتكونان شمعتين بالليل ، وإذا ظهر عدو حاربت عنه ، وإذا
اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت ، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه ، ويركزها فينبع الماء فإذا
رفعها نضب ، وكانت تقيه الهوام . السعي : المشي بسرعة وخفة وحركة . فإن قلت : كيف ذكرت بألفاظ
مخلتفة بالحية والجان والثعبان ؟ قلت : أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ، وأما
الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق ، وفى ذلك وجهان : أحدهما أنها كانت
وقت انقلابها حية تنقلب حية صفراء دقيقة ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا ، فأريد بالجان أول حالها
وبالثعبان مآلها . والثاني أنها كانت في الشخص الثعبان وسرعة حركة الجان والدليل عليه قوله تعالى - فلما رآها تهتز
كأنها جان - وقيل كان لها عرف كعرف الفرس ، وقيل كان بين لحييها أربعون ذراعا . لما رأى ذلك الأمر
العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفار ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف ، وعن ابن عباس : انقلبت ثعبانا
ذكرا يبتلع الصخر والشجر ، فما رآه يبتلع كل شئ خاف ونفر . وعن بعضهم : إنما خافها لأنه عرف ما لقى
آدم منها . وقيل لما قال ربه لا تخف بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها .
السيرة من السير كالركبة من الركوب ، يقال سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة .
وقيل سير الأولين فيجوز أن ينتصب على الظرف : أي سنعيدها في طريقتها الأولى : أي في حال ما كانت عصا
وأن يكون أعاد منقولا من عاده بمعنى عاد إليه ، ومنه بيت زهير * وعادك أن تلاقيها عداء * فيتعدى إلى
مفعولين . ووجه ثالث حسن وهو أن يكون سنعيدها مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها ، بمعنى أنها أنشئت أول
ما أنشئت عصا ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أولا ، ونصب سيرتها بفعل مضمر
أي تسير سيرتها الأولى : يعنى سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها .
قيل لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لمجنبتيه وجناحا الإنسان جنباه ، والأصل المستعار منه جناحا الطائر
سميا جناحين لأنه يجنحهما عند الطيران ، والمراد إلى جنبك تحت العضد دل على ذلك قوله تخرج ، السوء : الرداءة
والقبح في كل شئ ، فكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة ، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص
فكنوا عنه بالأبرش والبرص أبغض شئ إلى العرب وبهم عنه نفرة عظيمة أسماعهم لا سمه مجاجة ، فكان جديرا
بأن يكنى عنه ، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحر للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه . يروى أنه كان آدم
فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يعشى البصر . بيضاء وآية حالان معا ، ومن غير سوء من
صلة البيضاء كما تقول ابيضت من غير سوء . وفى نصب آية وجه آخر وهو أن يكون بإضمار نحو خذو دونك
وما أشبه ذلك حذف لدلالة الكلام ، وقد تعلق بهذا المحذوف ( لنريك ) أي خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا
حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى ، أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا ، أو لنريك من آيتنا الكبرى فعلنا