فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا . ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات
الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا . أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال
لأوتين مالا وولدا . أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا .
شرح
نديا ، وأن المؤمنين على خلاف صفتهم . والثاني أن تتصل بما يليها ، والمعنى : أن الذين في الضلالة ممدود لهم في
ضلالتهم والخذلان لاصق بهم لعلم الله بهم وبأن الألطاف لا تنفع فيهم وليسوا من أهلها ، والمراد بالضلالة ما دعاهم
من جهلهم وغلوهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه ولا ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو
يشاهدوا الساعة ومقدماتها . فإن قلت : حتى هذه ما هي ؟ قلت : هي التي تحكى بعدها الجمل ، ألا ترى الجملة
الشرطية واقعة بعدها وهى قوله - إذا رأوا ما يوعدون - ( فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ) في مقابلة
- خير مقاما وأحسن نديا - لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم والنددى المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم
وأنصارهم ، والجندهم هم الأنصار والأعوان ( ويزيد ) معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر تقديره : من
كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن ويزيد : أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه
( والباقيات الصالحات ) أعمال الآخرة كلها ، وقيل الصلوات ، وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر :
أي هي ( خير ثوابا ) من مفاخرات الكفار ( وخير مردا ) أي مرجعا وعاقبة أو منفعة من قولهم ليس لهذا الأمر مرد
* وهل يرد بكأى زندا * فإن قلت : كيف قيل خير ثوابا كأن لمفاخراتهم ثوابا حتى يجعل ثواب الصالحات
خيرا منه ؟ قلت : كأنه قيل ثوابهم النار على طريقة قوله : فأعتبوا بالصيلم ، وقوله :
شجعاء جرتها الذميل تلوكه * أصلا إذا راح المطي غراثا
وقوله * تحية بينهم ضرب وجيع * ثم بنى عليه خير ثوابا وفيه ضرب من التهكم الذين هو أغيظ للمتهدد
من أن يقال له عقابك النار . فإن قلت : فما وجه التفضيل في الخير كأن لمفاخرهم شركا فيه ؟ قلت : هذا من وجيز
كلامهم يقولون : الصيف أحر من الشتاء : أي أبلغ في حره من الشتاء في برده . لما كانت مشاهدة الأشياء
ورؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما وصحة الخبر عنها استعملوا أرأيت في معنى أخبر ، والفاء جاءت لإفادة معناها
الذي هو التعقيب كأنه قال : أخبر أيضا بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديثه أولئك ( أطلع الغيب )
من قولهم اطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه وطلع الثنية ، قال جرير * لاقيت مطلع الجبال وعورا * ويقولون
مر مطلعا لذلك الأمر : أي عاليا له مالكا له ، ولاختيار هذه الكلمة شأن ، يقول : أو قد بلغ من عظمة شأنه
أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار ، والمعنى : أن ما ادعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل إليه
إلا بأحد هذين الطريقين : إما علم الغيب ، وإما عهد عالم الغيب ، فبأيهما توصل إلى ذلك . قرأ حمزة والكسائي
ولدا وهو جمع ولد كأسد في أسد أو بمعنى الولد كالعرب في العرب . وعن يحيى بن يعمر ولدا بالكسر . وقيل
في العهد كلمة الشهادة . وعن قتادة : هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول ؟ وعن الكلبي : هل عهد
الله إليه أن يؤتيه ذلك ؟ عن الحسن رحمه الله نزلت في الوليد بن المغيرة ، والمشهور أنها في العاصي بن وائل .
قال خباب بن الأرت : كان لي عليه دين فاقتضيته فقال : لا والله حتى تكفر بمحمد ، قلت : لا والله لا أكفر