تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا . وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا . قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة
شرح
الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد ، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا ، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها ، أو حججا وبراهين ، والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى - وهو الحق مصدقا - لأن آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججا ( للذين آمنوا ) يحتمل أنهم يناطقون المؤمنين بذلك ويواجهونهم به وأنهم يفوهون به لأجلهم وفى معناهم كقوله تعالى - وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه - قرأ ابن كثير ( مقاما ) بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل والباقون بالفتح وهو موضع القيام والمراد المكان والموضع ، والندى المجلس ومجتمع القوم وحيث ينتدون ، والمعنى : أنهم إذا سمعوا الآيات وهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وذلك مبلغهم من العلم قالوا أي الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين لها أو فر حظا من الدنيا ، ، حتى يجعل ذلك عيارا على الفضل والنقص والرفعة والضعة . ويروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة ، ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم ( كم ) مفعول ( أهلكنا ) و ( من ) تبيين لإبهامها أي كثيرا من القرون أهلكنا وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم ، و ( هم أحسن ) في محل النصب صفة لكم ، ألا ترى أنك لو تركت هم لم يكن لك بد من نصب أحسن على الوصفية . الأثاث : متاع البيت ، وقيل هو ماجد من الفرش والخرثى ما لبس منها ، وأنشد الحسن بن علي الطوسي : تقادم العهد من أم الوليد بنا * دهرا وصار أثاث البيت خرثيا قرئ على خمسة أوجه ( رئيا ) وهو المنظر والهيئة فعل بمعنى مفعول من رأيت وريئا على القلب كقولهم راء في رأى وريا على قلب الهمزة ياء والإدغام ، أو من الري الذي هو النعمة والترفه من قولهم ريان من النعيم وريا على حذف الهمزة رأسا ، ووجهه أن يخفف المقلوب وهو ريئا بحذف همزته وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها ، وزيا واشتقاقه من الزي وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة ، والمعنى أحسن من هؤلاء . أي مد له الرحمن : يعنى أمهله وأملى له في العمر ، فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك ، وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل لتقطع معاذير الضال ، ويقال له يوم القيامة - أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر - أو كقوله تعالى - إنما نملى لهم ليزدادوا إثما - أو - من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا - في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته . في هذه الآية وجهان : أحدهما أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها والآيتان اعتراض بينهما : أي قالوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ( حتى إذا رأوا ما يوعدون ) أي لا يبرحون يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأى عين ( إما العذاب ) في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا وإظهار الله دينه على الدين كله على أيديهم ، وإما يوم القيامة وهو ما ينالهم من الخزي والنكال ، حينئذ يعلمون عند المعاينة أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكانا وأضعف جندا لا خير مقاما وأحسن
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 521 | الزمخشري