أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا . فال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما
قصصا . فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . قال
له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا . قال إنك لن تستطيع معي صبرا .
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا . قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى
شرح
اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية ، فدهش وطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك ، كأنه قال : أرأيت
ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت فحذف ذلك ، وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت ، و ( أن
أذكره ) بدل من الهاء في أنسانيه : أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان ، وفى قراءة عبد الله أن أذكركه ، و ( عجبا )
ثاني مفعولي اتخذ مثل سربا : يعنى واتخذ سبيله سبيلا عجبا وهو كونه شبيه السرب ، أو قال عجبا في آخر كلامه
تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها ، أو مما رأى من المعجزتين ، وقوله - وما أنسانيه إلا الشيطان أن
أذكره - اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه . وقيل إن عجبا حكاية لتعجب موسى عليه السلام وليس بذاك
( ذلك ) إشارة إلى اتخاذه سبيلا : أي ذلك الذي كنا نطلب لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر عليه السلام .
قرئ نبغ بغير ياء في الوصل وإثباتها أحسن وهى قراءة أبى عمرو ، وأما الوقف فالأكثر فيه طرح الياء اتباعا لخط
المصحف ( فارتدا ) فرجعا في أدراجهما ( قصصا ) يقصان قصصا : أي يتبعان آثارهما اتباعا ، أو فارتدا
مقتصين ( رحمة من عندنا ) هي الوحي والنبوة ( من لدنا ) مما يختص بنا من العلم وهو الإخبار عن الغيوب ( رشدا
قرئ بفتحتين وبضمة وسكون : أي علما ذا رشد أرشد به في ديني . فإن قلت : أما دلت حاجته إلى التعلم من
آخر في عهده أنه كما قيل موسى بن ميشا لا موسى بن عمران ، لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم
المرجوع إليه في أبواب الدين ؟ قلت : لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله ، وإنما يغض منه أن يأخذه ممن
دونه . وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس : إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى
وأن موسى هو موسى بن ميشا ، فقال : كذب عدو الله . نفى استطاعة الصبر معه على وجد التأكيد كأنها مما
لا يصح ولا يستقيم ، وعلل ذلك بأنه يتولى أمورا هي في ظاهرها مناكير والرجل الصالح فكيف إذا كان نبيا
لا يتمالك أن يمشئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار ، و ( خبرا ) تمييز أي لم يحط به خبرك ، أو
لأن لم تحط به بمعنى لم تخبره فنصبه نصب المصدر ( ولا أعصى ) في محل النصب عطفا على صابرا : أي ستجدني