فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا . قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك
بتأويل مالم تستطع عليه صبرا . أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر
فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا .
شرح
انفعل مطاوع قضضته ، وقيل افعل من النقض كاحمر من الحمرة . وقرئ أن ينقض من النقض وأن ينقاص من
انقاصت السن إذا انشقت طولا . قال ذو الرمة * منقاص ومنكثب * بالصاد غير معجمة ( فأقامه ) قيل أقامه
بيده ، وقيل مسحه بيده فقام واستوى ، وقيل أقامه بعمود عمده به ، وقيل نقضه وبناه . وقيل كان طول الجدار
في السماء مائة ذراع كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم وقد لزمتها الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو
المسألة فلم يجدا مواسيا ، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن ( قال لو شئت
لاتخذت عليه أجرا ) وطلبت على عملك جعلا حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة ، وقرئ لتخذت والتاء في تخذ
أصل كما في تبع واتخذ افتعل منه كاتبع من تبع وليس من الأخذ في شئ . فإن قلت : ( هذا ) إشارة إلى ماذا ؟
قلت : قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قال موسى عليه السلام - إن سألتك عن شئ بعدها فلا
تصاحبني - فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه كما تقول هذا أخوك فلا يكون هذا إشارة إلى غير الأخ ، ويجوز
أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث : أي هذا الاعتراض سبب الفراق والأصل هذا فراق بيني وبينك ، وقد قرأ به
ابن أبي عبلة فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به ( لمساكين ) قيل كانت لعشرة إخوة خمسة منهم
زمني وخمسة يعملون في البحر ( وراءهم ) أمامهم كقوله تعالى - ومن ورائهم برزخ - وقيل خلفهم وكان طريقهم
في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره فأعلم الله به الخضر وهو جلندى . فإن قلت : قوله - فأردت أن أعيبها -
مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب فلم قدم عليه ؟ قلت : النية به التأخير ، وإنما قدم
للعناية ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده ، ولكن مع كونها للمساكين فكان بمنزلة قولك زيد ظني مقيم .
وقيل في قراءة أبى وعبد الله كل سفينة صالحة ، وقرأ الجحدري وكان أبواه مؤمنان على أن كان فيه ضمير الشأن
( فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء
صنيعه ويلحق بهما شرا وبلاء ، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر ، أو
يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان . وإنما خشي الخضر منه ذلك لأن الله تعالى
أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته . وفى قراءة أبى فخاف ربك .
والمعنى : فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيره ، ويجوز أن يكون قوله فخشينا حكاية لقول الله تعالى