أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا . وإذا قال موسى لفتاه لا أبرح حتى
أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا . فلما بلغا مجمع بينهما
شرح
قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار لهم إليها ليعتبروا ، تلك مبتدأ والقرى صفته ، لأن أسماء الإشارة
توصف بأسماء الأجناس ، و ( أهلكناهم ) خبر ، ويجوز أن يكون تلك القرى نصبا بإضمار أهلكنا على شريطة
التفسير ، والمعنى : وتلك أصحاب القرى أهلكناهم ( لما ظلموا ) مثل ظلم أهل مكة ( وجعلنا لمهلكهم موعدا )
وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته . وقرئ
لمهلكهم بفتح الميم واللام مفتوحة أو مكسورة : أي لهلاكهم أو وقت هلاكهم والموعد وقت أو مصدر ( لفتاه
لعبده وفى الحديث " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي " . وقيل هو يوشع بن نون وإنما قيل فتاه لأنه
كان يخدمه ويتبعه ، وقيل كان يأخذ منه العلم . فإن قلت : ( لا أبرح ) إن كان بمعنى لا أزول من برح المكان
فقد دل على الإقامة لا على السفر ، وإن كان بمعنى لا أزال فلا بد من الخبر . قلت : هو بمعنى لا أزال ، وقد
حذف الخبر لأن الحال والكلام معا يدلان عليه ، أما الحال فلأنها كانت حال سفر ، وأما الكلام فلأن قوله ( حتى
أبلغ مجمع البحرين ) غاية مضروبة تستدعى ما هي غاية له ، فلابد أن يكون المعنى : لا أبرح أسير - حتى أبلغ
مجمع البحرين - ووجه آخر وهو أن يكون المعنى : لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر ، فلما
حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم ، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وهو
وجه لطيف . ويجوز أن يكون المعنى : لا أبرح ما أنا عليه بمعنى ألزم المسير والطلب ، ولا أتركه ولا أفارقه حتى
أبلغ كما تقول لا أبرح المكان . ومجمع البحرين : المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الحضر عليهما السلام وهو
ملتقى بحرى فارس والروم مما يلي المشرق ، وقيل طنجة ، وقيل إفريقية . ومن بدع التفاسير أن البحرين موسى
والخضر لأنهما كانا بحرين في العلم . وقرئ مجمع بكسر الميم وهى في الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع من يفعل
( أو أمضى حقبا ) أو أسير زمانا طويلا ، والحقب ثمانون سنة . وروى أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل
واستقروا بها بعد هلاك القبط أمره الله أن يذكر قومه النعمة ، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال : إنه
اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له قد علمنا هذا فأي الناس أعلم ؟ قال : أنا ، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إلى الله ،
فأوحى إليه بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر ، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى عليه
السلام ، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقى إلى أيام موسى . وقيل إن موسى سأل ربه : أي عبادك أحب
إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني ، قال : فأي عبادك أقضى ؟ قال : الذي يقضى بالحق ولا يتبع الهوى ،
قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغى علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن
ردى ، فقال : إن كان في عبادك من هو أعلم منى فأدللني عليه ، قال : أعلم منك الخضر ، قال : أين أطلبه ؟
قال : على الساحل عند الصخرة ، قال : يا رب كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتب فحيث فقدته فهو هناك ،
فقال لفتاه : إذا فقدت الحوت فأخبرني ، فذهبا يمشيان فرقد موسى فاضطرب الحوت ووقع في البحر ، فلما جاء
وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبر فتاه بوقوعه في البحر ، فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه
موسى ، فقال : وأنى بأرضنا السلام ، فعرفه نفسه فقال : يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت ، وأنت