تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا . وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
شرح
( لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا - ، وقيل لتقربوا إليه كقوله - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة - ( علوا ) في معنى تعاليا والمراد البراءة عن ذلك والنزاهة . ومعنى وصف العلو بالكبر : المبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوا به . والمراد أنها تسبح له بلسان الحال حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته فكأنها تنطق بذلك ، وكأنها تنزه الله عز وجل مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها . فإن قلت : فما تصنع بقوله ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) وهذا التسبيح مفقوه معلوم ؟ قلت : الخطاب للمشركين ، وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض قالوا الله إلا أنهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنهم لم ينظروا ولم يقروا ، لأن نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه ، فإذا لم يفقهوا التسبيح ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق . فإن قلت : من فيهن يسبحون على الحقيقة وهم الملائكة والثقلان وقد عطفوا على السماوات والأرض فما وجهه ؟ قلت : التسبيح المجازي حاصل في الجميع فوجب الحمل عليه ، وإلا كانت الكلمة الواحدة في حالة واحدة محمولة على الحقيقة والمجاز ( إنه كان حليما غفورا ) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم بالتسبيح وشرككم ( حجابا مستورا ) ذا ستر كقولهم : سيل مفعم ذو إفعام . وقيل هو حجاب لا يرى فهو مستور ، ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره ، أو حجاب يستر أن يبصر