لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا . سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . تسبح له
السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون
تسبيحهم إنه كان حليما غفورا . وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين
لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
شرح
( لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض
كقوله - لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا - ، وقيل لتقربوا إليه كقوله - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم
الوسيلة - ( علوا ) في معنى تعاليا والمراد البراءة عن ذلك والنزاهة . ومعنى وصف العلو بالكبر : المبالغة في معنى
البراءة والبعد مما وصفوا به . والمراد أنها تسبح له بلسان الحال حيث تدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته فكأنها
تنطق بذلك ، وكأنها تنزه الله عز وجل مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها . فإن قلت : فما تصنع بقوله ( ولكن
لا تفقهون تسبيحهم ) وهذا التسبيح مفقوه معلوم ؟ قلت : الخطاب للمشركين ، وهم وإن كانوا إذا سئلوا عن
خالق السماوات والأرض قالوا الله إلا أنهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنهم لم ينظروا ولم يقروا ، لأن
نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه ، فإذا لم يفقهوا التسبيح ولم يستوضحوا الدلالة على
الخالق . فإن قلت : من فيهن يسبحون على الحقيقة وهم الملائكة والثقلان وقد عطفوا على السماوات والأرض فما
وجهه ؟ قلت : التسبيح المجازي حاصل في الجميع فوجب الحمل عليه ، وإلا كانت الكلمة الواحدة في حالة
واحدة محمولة على الحقيقة والمجاز ( إنه كان حليما غفورا ) حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم
وجهلكم بالتسبيح وشرككم ( حجابا مستورا ) ذا ستر كقولهم : سيل مفعم ذو إفعام . وقيل هو حجاب لا يرى
فهو مستور ، ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره ، أو حجاب يستر أن يبصر