تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا . أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا . وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا ، كان ذلك في الكتاب مسطورا . وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا . وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس
شرح
بعض الزبور كما سمى بعض القرآن قرآنا . ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ) هم الملائكة ، وقيل عيسى ابن مريم وعزير ، وقيل نفر من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا : أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب ، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر أو يبدلوه ، و ( أولئك ) مبتدأ ، و ( الذين يدعون ) صفته ، و ( يبتغون ) خبره ، يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى ، و ( أيهم ) بدل من واو يبتغون ، وأي موصولة : أي يبتغي من هو أقرب منهم وأزلف الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب ، أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون ، فكأنه قيل يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير والصلاح ، ويرجون ويخافون كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنه آلهة ( إن عذاب ربك كان ) حقيقا بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلا عن غيرهم ( نحن مهلكوها ) بالموت والاستئصال ( أو معذبوها ) بالقتل وأنواع العذاب ، وقيل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة . وعن مقاتل : وجدت في كتب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها : أما مكة فيخربها الحبشة ، وتهلك المدينة بالجوع ، والبصرة بالغرق ، والكوفة بالترك ، والجبال بالصواعق والرواجف ، وأما خراسان فعذابها ضروب ثم ذكرها بلدا بلدا ( في الكتاب ) في اللوح المحفوظ . أستعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة . وأن الأولى منصوبة والثانية مرفوعة تقديره : وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين ، والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ومن إحياء الموتى وغير ذلك ، وعادة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال ، فالمعنى : وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وقالوا هذا سحر مبين كما يقولون في غيرها واستوجبوا العذاب المستأصل ، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة . ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم ( مبصرة ) بينة ، وقرئ مبصرة بفتح الميم ( فظلموا بها ) فكفروا بها ( وما نرسل بالآيات ) إن أراد بها الآيات المقترحة فالمعنى لا نرسلها ( إلا تخويفا ) من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له ، فإن لم يخافوا وقع عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى : وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الآخرة ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ) واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش : يعني بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله - سيهزم الجمع
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 454 | الزمخشري