تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون . وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم . والله يعلم ما تسرون وما تعلنون . والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون .
شرح
وبالنجم بضمتين وبضمة وسكون وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل حذف الواو من النجوم تخفيفا . فإن قلت : قوله ( وبالنجم هم يهتدون ) مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه النجم مقحم فيه هم كأنه قيل وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون ، فمن المراد بهم ؟ قلت : كأنه أراد قريشا كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم ، فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا . فإن قلت : من لا يخلق أريد به الأصنام ، فلم جئ بمن الذي هو لأولي العلم ؟ قلت : فيه أوجه : أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ، ألا ترى إلى قوله على أثره - والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون - والثاني المشاكلة بينه وبين من يخلق . والثالث أن يكون المعنى : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم ، فكيف بما لا علم عنده كقوله - لهم أرجل يمشون بها - يعني أن الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات ، فكيف تصح لهم العبادة لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا . فإن قلت : هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق ، فكان حق الإلزام أن يقال لهم : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟ قلت : حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له وسووا بينه وبينه فقد جعلوا الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيها بها ، فأنكر عليهم ذلك بقوله - أفمن يخلق كمن لا يخلق - ( لا تحصوها ) لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر أتبع ذلك ما عدد من نعمه تنبيها على أن وراءها ما لا ينحصر ولا ينعد ( إن الله لغفور رحيم ) حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم بتفريطكم ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها ( والله يعلم ما تسرون ما تعلنون ) من أعمالكم وهو وعيد ( والذين يدعون ) والآلهة التي يدعونهم الكفار ( من دون الله ) وقرئ بالتاء وقرئ يدعون على البناء للمفعول . نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث ، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب ومعنى
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 405 | الزمخشري