وبالنجم هم يهتدون . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون . وإن تعدوا نعمة
الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم . والله يعلم ما تسرون وما تعلنون . والذين تدعون
من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون .
شرح
وبالنجم بضمتين وبضمة وسكون وهو جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل حذف الواو من النجوم
تخفيفا . فإن قلت : قوله ( وبالنجم هم يهتدون ) مخرج عن سنن الخطاب مقدم فيه النجم مقحم فيه هم كأنه قيل
وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون ، فمن المراد بهم ؟ قلت : كأنه أراد قريشا كان لهم اهتداء بالنجوم
في مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم ، فكان الشكر أوجب عليهم والاعتبار ألزم لهم فخصصوا .
فإن قلت : من لا يخلق أريد به الأصنام ، فلم جئ بمن الذي هو لأولي العلم ؟ قلت : فيه أوجه : أحدها أنهم
سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ، ألا ترى إلى قوله على أثره - والذين يدعون من دون الله لا يخلقون
شيئا وهم يخلقون - والثاني المشاكلة بينه وبين من يخلق . والثالث أن يكون المعنى : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق
من أولي العلم ، فكيف بما لا علم عنده كقوله - لهم أرجل يمشون بها - يعني أن الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم
أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات ، فكيف تصح لهم العبادة لا أنها لو صحت لهم هذه
الأعضاء لصح أن يعبدوا . فإن قلت : هو إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله فقد جعلوا غير
الخالق مثل الخالق ، فكان حق الإلزام أن يقال لهم : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟ قلت : حين جعلوا غير الله مثل الله
في تسميته باسمه والعبادة له وسووا بينه وبينه فقد جعلوا الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيها بها ، فأنكر عليهم
ذلك بقوله - أفمن يخلق كمن لا يخلق - ( لا تحصوها ) لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم فضلا أن تطيقوا القيام بحقها
من أداء الشكر أتبع ذلك ما عدد من نعمه تنبيها على أن وراءها ما لا ينحصر ولا ينعد ( إن الله لغفور رحيم ) حيث
يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة ولا يقطعها عنكم بتفريطكم ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها ( والله
يعلم ما تسرون ما تعلنون ) من أعمالكم وهو وعيد ( والذين يدعون ) والآلهة التي يدعونهم الكفار ( من دون الله )
وقرئ بالتاء وقرئ يدعون على البناء للمفعول . نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون
وعالمين بوقت البعث ، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب ومعنى