تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد . ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز . وبرزوا لله
شرح
سيبويه تقديره : وفيما يقص عليك ( مثل الذين كفروا بربهم ) والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة ، وقوله ( أعمالهم كرماد ) جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول كيف مثلهم فقيل - أعمالهم كرماد - ، ويجوز أن يكون المعنى : مثل أعمال الذين كفروا بربهم ، أو هذه الجملة خبر للمبتدأ : أي صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقولك : صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول ، أو يكون أعمالهم بدلا من - مثل الذين كفروا - على تقدير مثل أعمالهم وكرماد الخبر . وقرئ الرياح ( في يوم عاصف ) جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور لريحها . وقرئ - في يوم عاصف - بالإضافة ، وأعمال الكفرة : المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام ، وعتق الرقاب ، وفداء الأسارى ، وعقر الإبل للأضياف ، وإغاثة الملهوفين ، والإجارة وغير ذلك من صنائعهم ، شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به وكونها لوجه برماد طيرته الريح العاصف ( لا يقدرون ) يوم القيامة ( مما كسبوا ) من أعمالهم ( على شئ ) أي لا يرون له أثرا من ثواب كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شئ ( ذلك هو الضلال البعيد ) إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب ( بالحق ) بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم ولم يخلقها عبثا ولا شهوة . وقرئ - خالق السماوات والأرض - ( إن يشأ يذهبكم ) أي هو قادر أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم ، إعلاما منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم ، يقدر على شئ وجنس ضده ( وما ذلك على الله بعزيز ) بمعتذر بل هو هين عليه يسير ، لأنه قادر بالذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، فإذا خلص له الداعي إلى شئ وانتفى الصارف تكون من غير توقف كتحريك إصبعك إذا دعاك إليه داع ولم يعترض دونه صارف ، وهذه الآية بيان لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة ، وأنه هو الحقيق بأن يعبد ويخاف عقابه ويرجى ثوابه في دار الجزاء ( وبرزوا لله ) ويبرزون يوم القيامة ، وإنما جئ بلفظ الماضي لأن ما أخبر به عز وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد ونحوه - ونادى أصحاب الجنة - ونادى أصحاب النار - ونظائر له ، ومعنى يروزهم لله والله تعالى لا يتوارى عنه شئ حتى يبرز له : أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 372 | الزمخشري