وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو
أن نفعل في أموالنا ما نشاء
شرح
للكفرة لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف ، فلم شرط الإيمان ؟ قلت لظهور فائدتها مع الإيمان من
حصول الثواب مع النجاة من العقاب وخفاء فائدتها مع فقد لانغماس صاحبها في غمرات الكفر ، وفى ذلك
استعظام للإيمان وتنبيه على جلالة شأنه . ويجوز أن يراد : إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح به إياكم
ويجوز أن يراد : ما يبقى لكم من عند الله من الطاعات خير لكم كقوله - والباقيات الصالحات خير عند ربك -
وإضافة البقية إلى الله من حيث إنها رزقه الذي يجوز أن يضاف إليه ، وأما الحرام فلا يضاف إلى الله ولا يسمى
رزقا ، وإذا أريد بها الطاعة فكما تقول طاعة الله . وقرئ تقية الله بالتاء وهى تقواه ومراقبته التي تصرف عن
المعاصي والقبائح ( وما أنا عليكم بحفيظ ) وما بعثت لأحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها ، وأنما بعثت مبلغا
ومنبها على الخير وناصحا ، وقد أعذرت حين أنذرت . كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات ، وكان قومه إذا
رأوه يصلى تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم ( أصلواتك تأمرك ) السخرية والهزء . والصلاة وإن جاز أن
تكون آمرة على طريق المجاز كما كانت ناهية في قوله - إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر - وأن يقال إن الصلاة
تأمر بالجميل والمعروف كما يقال تدعوا إليه وتبعث عليه ، إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطير ، وجعلوا الصلاة
آمرة على سبيل التهكم بصلاته ، وأردوا أن هذا الذي تأمر به من ترك عبادة الأوثان باطل لا وجه لصحته ، وأن
مثله لا يدعوك إليه داعي عقل ولا يأمرك به آمر فطنة ، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان ، وهو
صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك ، وعندهم أنها من باب الجنون ومما يتولع به المجانين والموسوسون من
بعض الأقوال والأفعال . ومعنى تأمرك ( أن نترك ) تأمرك بتكليف أن نترك ( ما يعبد آباؤنا ) فحذف المضاف