فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون * وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم
فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي
آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين . الآن وقد عصيت قبل وكنت من
المفسدين . فاليوم ننجيك
شرح
يدعوان ، والمعنى : أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ( فاستقيما ) فاثبتا على ما أنتما عليه من
الدعوة والزيادة في إلزام الحجة ، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف عام إلا قليلا تستعجلا . قال ابن
جريج : فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة ( ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ) أي لا تتبعا طريق الجهلة بعادة
الله في تعليقه الأمور بالمصالح ، ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة ، وهذا كما قال لنوح عليه السلام - إني
أعظك أن تكون من الجاهلين - . وقرئ ولا تتبعان بالنون الخفيفة وكسرها لالتقلاء الساكنين تشبيها بنون التنبيه
وبتخفيف التاء من تبع . قرأ الحسن وجوزنا من أجاز المكان وجوزه وجاوزه ، وليس من جوز الذي في بيت
الأعشى : * وإذا يجوزها جبال قبيلة * لأنه لو كان منه لكان حقه أن يقال : وجوزنا بني إسرائيل في البحر
كما قال : * كما جوز السكي في الباب فيتق * ( فأتبعهم ) فلحقهم ، يقال تبعته حتى أتبعته . وقرأ الحسن
وعدوا . وقرئ : أنه بالفتح على حذف الباء التي هي صلة الإيمان ، وإنه بالكسر على الاستئناف بدلا من آمنت .
كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصا على القبول ، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته وقاله
حين لم يبق له اختيار قط ، وكانت المرة الواحدة كافية في حال الاختيار وغند بقاء التكليف ( آلآن ) أتؤمن
الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من نفسك . وقيل قال ذلك حين ألجمه الغرق : يعنى حين
أوشك أن يغرق . وقيل قاله بعد أن غرق في نفسه . والذي يحكى أنه حين قال آمنت ، أخذ جبريل من حال البحر
فدسه فيه ، فللغضب لله على الكافر في وقت قد علم أن إيمانه لا ينفعه . وأما ما يضم إليه من قولهم : خشية أن يدركه
رحمة الله ، فمن زيادات الباهتين لله وملائكته ، وفيه جهالتان : إحداهما أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس
فحال البحر لا يمنعه ، والأخرى أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر
( من المفسدين ) من الضالين المضلين عن الإيمان كقوله - الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق
العذاب بما كانوا يفسدون - وروى أن جبريل عليه السلام أتاه بفتيا - ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله
ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب :
جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماه أن يغرق في البحر . فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه ( ننجيك )
التشديد والتخفيف نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، وقيل نلقيك بنجوة من الأرض . وقرئ ننجيك