وملاءيهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين . وقال موسى
يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين . فقالوا على الله توكلنا
ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين . ونجنا برحمتك من القوم الكافرين
وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة
وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين .
شرح
أبنائهم مع الخوف . وقيل الضمير في قومه لفرعون ، والذرية : مؤمن آل فرعون ، وآسية امرأته ، وخازنه ،
وامرأة خازنه ، وما شطته . فإن قلت : إلام يرجع الضمير في قوله ( وملئهم ) ؟ قلت : إلى فرعون بمعنى آل
فرعون كما يقال ربيعة ومضر ، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له ، ويجوز أن يرجع إلى الذرية : أي على خوف من
فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم ،
ويدل عليه قوله ( أن يفتنهم ) يريد أن يعذبهم ( وإن فرعون لعال في الأرض ) لغالب فيها قاهر ( وإنه لمن
المسرفين ) في الظلم والفساد وفى الكبر والعتو بادعائه الربوبية ( إن كنتم آمنتم بالله ) صدقتم به وبآياته ( فعليه
توكلوا ) فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون . ثم شرط في التوكل الإسلام وهو أن يسلموا نفوسهم لله :
أي يجعلوها له سالمة خالصة لاحظ للشيطان فيها ، لأن التوكل لا يكون مع التخليط ، ونظيره في الكلام : إن
ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة ( فقالوا على الله توكلنا ) إنما قالوا ذلك لأن القوم كانوا مخلصين لا جرم
أن الله سبحانه قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه وجعلهم خلفاء في أرضه ، فمن
أراد أن يصلح للتوكل على ربه والتفويض إليه فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص ( لا تجعلنا فتنة ) موضع فتنة لهم :
أي عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا ، أو فتنة لهم يفتنون بنا ويقولون : لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا .
تبوأ المكان : اتخذه مباءة كقولك توطنه إذا اتخذه وطنا ، والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا من بيوته مباءة لقومكما
ومرجعا يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه ( واجعلوا بيوتكم ) تلك ( قبلة ) أي مساجد متوجهة نحو القبلة وهى
الكعبة ، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة ، وكانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في
خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلام بمكة .
فإن قلت : كيف نوع الخطاب فثنى أولا ثم جمع ثم وحد آخرا ؟ قلت : خوطب موسى وهارون عليهما السلام أن
يتبوءا لقومهما بيوتا ويختاراها للعبادة ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء ، ثم سيق الخطاب عاما لهما ولقومهما
باتخاذ المساجد والصلاة فيها لأن ذلك واجب على الجمهور ، ثم خص موسى عليه السلام بالبشارة التي هي الغرض
تعظيما لها وللمبشر بها . الزينة : ما يتزين به من لباس أو حلى أو فرش أو أثاث أو غير ذلك . وعن ابن عباس
رضي الله عنهما : كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد