تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
ولا تنظرون . فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين . فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين . ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين . ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملاه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين . فلما جاءهم الحق من عندنا
شرح
الأمر - أو أدوا إلى ما هو أحق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضى الرجل غريمه ( ولا تنظرون ) ولا تمهلوا ، وقرئ ثم أفضوا إلى بالفاء بمعنى انتهوا إلى بشركم . وقيل هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء : أي أصحروا به إلى وأبرزوه لي ( فإن توليتم ) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي ( فما سألتكم من أجر ) فما كان عندي ما ينفركم عنى وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم ( إن أجرى إلا على الله ) وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة : أي ما نصحتكم إلا لوجه الله لا لغرض من أغراض الدنيا ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا ولا يطلبون به دنيا ، يريد أن ذلك مقتضى الإسلام والذي كل مسلم مأمور به . والمراد أن يجعل الحجة لازمة لهم ويبرئ ساحتهم . فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه ، وإنما ذلك لعنادهم وتمردهم لاغير ( فكذبوه ) فتموا على تكذيبه وكان تكذيبهم له في آخر المدة المتطاولة كتكذيبهم في أولها وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان ( وجعلناهم خلائف ) يخلفون الهالكين بالغرق ( كيف كان عاقبة المنذرين ) تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله وتسلية له ( من بعده ) من بعد نوح ( رسلا إلى قومهم ) يعنى هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا ( فجاءوهم بالبينات ) بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم ( فما كانوا ليؤمنوا ) فما كان إيمانهم إلا ممتنعا كالمحال لشدة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه ( بما كذبوا به من قبل ) يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق ، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كان لم يبعث إليهم أحد ( كذلك نطبع ) مثل ذلك الطبع المحكم نطبع ( على قلوب المعتدين ) والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم لأن الخذلان يتبعه ، ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به ( من بعدهم ) من بعد الرسل ( بآياتنا ) بالآيات التسع ( فاستكبروا ) عن قبولها وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها ويتعظموا عن تقبلها ( وكانوا قوما مجرمين ) كفارا ذوي آثام عظام فلذلك استكبروا عنها واجترأوا على ردها ( فلما جاءهم الحق من عندنا ) فلما عرفوا أنه هو الحق
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 246 | الزمخشري