ولا تنظرون . فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون
من المسلمين . فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا
الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين . ثم بعثنا من بعده رسلا إلى
قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على
قلوب المعتدين . ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملاه بآياتنا
فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين . فلما جاءهم الحق من عندنا
شرح
الأمر - أو أدوا إلى ما هو أحق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضى الرجل غريمه ( ولا تنظرون ) ولا تمهلوا ،
وقرئ ثم أفضوا إلى بالفاء بمعنى انتهوا إلى بشركم . وقيل هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء : أي أصحروا
به إلى وأبرزوه لي ( فإن توليتم ) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي ( فما سألتكم من أجر ) فما كان عندي ما ينفركم
عنى وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم ( إن أجرى إلا على الله ) وهو الثواب الذي
يثيبني به في الآخرة : أي ما نصحتكم إلا لوجه الله لا لغرض من أغراض الدنيا ( وأمرت أن أكون من المسلمين )
الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا ولا يطلبون به دنيا ، يريد أن ذلك مقتضى الإسلام والذي كل مسلم مأمور
به . والمراد أن يجعل الحجة لازمة لهم ويبرئ ساحتهم . فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه في سوق الأمر
معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه ، وإنما ذلك لعنادهم وتمردهم لاغير ( فكذبوه ) فتموا على تكذيبه وكان
تكذيبهم له في آخر المدة المتطاولة كتكذيبهم في أولها وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان ( وجعلناهم خلائف )
يخلفون الهالكين بالغرق ( كيف كان عاقبة المنذرين ) تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن مثله وتسلية له ( من بعده ) من بعد نوح ( رسلا إلى قومهم ) يعنى هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا
وشعيبا ( فجاءوهم بالبينات ) بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم ( فما كانوا ليؤمنوا ) فما كان إيمانهم إلا ممتنعا كالمحال
لشدة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه ( بما كذبوا به من قبل ) يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية
مكذبين بالحق ، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كان لم يبعث إليهم أحد ( كذلك نطبع ) مثل
ذلك الطبع المحكم نطبع ( على قلوب المعتدين ) والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم لأن الخذلان يتبعه ،
ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به ( من بعدهم ) من بعد الرسل ( بآياتنا ) بالآيات التسع ( فاستكبروا )
عن قبولها وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها ويتعظموا عن تقبلها ( وكانوا قوما مجرمين ) كفارا
ذوي آثام عظام فلذلك استكبروا عنها واجترأوا على ردها ( فلما جاءهم الحق من عندنا ) فلما عرفوا أنه هو الحق