ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم
ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى
الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ولا يحزنك قولهم إن
العزة لله جميعا
شرح
قرئ بالضم والكسر : وما يبعد وما يغيب ، ومنه الروض العازب ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) القراءة
بالنصب والرفع ، والوجه النصب على نفى الجنس والرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه ، وفى العطف على محل
من مثقال ذرة ، أو على لفظ مثقال ذره فتحا في موضع الجر لامتناع الصرف إشكال ، لأن قولك لا يعزب عنه
شئ إلا في كتاب مشكل . فإن قلت : لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله في سورة سبأ - عالم الغيب لا يعزب
عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض - ؟ قلت : حق السماء بخلاف أن تقدم على الأرض ، ولكنه لما ذكر شهادته
على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ووصل بذلك قوله لا يعزب عنه لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء
على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية ( أولياء الله ) الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ، وقد فسر ذلك
في قوله ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) فهو توليهم إياه ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة ) فهو توليه إياهم
وعن سعيد بن جبير ( آن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله ؟ فقال : هم الذين يذكر الله برؤيتهم )
يعنى السمت والهيئة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الإخبات والسكينة . وقيل هم المتحابون في الله . وعن
عمر رضي الله عنه ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء ،
يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله ، قالوا : يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم ،
قال : هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر
من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ، ثم قرأ الآية ) ( الذين آمنوا ) نصب أو رفع على
المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء والخبر لهم البشرى ، والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين
في غير مكان من كتابه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) . وعنه عليه
الصلاة والسلام ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) . وقيل هي محبة الناس ، له والذكر الحسن ، وعن أبي ذر ( قلت
لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال : تلك عاجل بشرى المؤمن ) .
وعن عطاء ( لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة ، قال الله تعالى ( تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا
تحزنوا وأبشروا بالجنة ) ) وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة ، وما يرون
من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم ، وما يقرءون منها وغير ذلك من البشارات ( لا تبديل لكلمات
الله ) لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده كقوله تعالى - ما يبدل القول لدى - و ( ذلك ) إشارة إلى كونهم مبشرين
في الدارين ، وكلتا الجملتين اعتراض ( ولا يحزنك ) وقرئ ولا يحزنك من أحزنه ( قولهم ) تكذيبهم لك وتهديدهم
وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك وسائر ما يتكلمون به في شأنك ( إن العزة لله ) واستئناف بمعنى التعليل