تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا
شرح
قرئ بالضم والكسر : وما يبعد وما يغيب ، ومنه الروض العازب ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) القراءة بالنصب والرفع ، والوجه النصب على نفى الجنس والرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه ، وفى العطف على محل من مثقال ذرة ، أو على لفظ مثقال ذره فتحا في موضع الجر لامتناع الصرف إشكال ، لأن قولك لا يعزب عنه شئ إلا في كتاب مشكل . فإن قلت : لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله في سورة سبأ - عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض - ؟ قلت : حق السماء بخلاف أن تقدم على الأرض ، ولكنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم ووصل بذلك قوله لا يعزب عنه لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء على أن العطف بالواو حكمه حكم التثنية ( أولياء الله ) الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ، وقد فسر ذلك في قوله ( الذين آمنوا وكانوا يتقون ) فهو توليهم إياه ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة ) فهو توليه إياهم وعن سعيد بن جبير ( آن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله ؟ فقال : هم الذين يذكر الله برؤيتهم ) يعنى السمت والهيئة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الإخبات والسكينة . وقيل هم المتحابون في الله . وعن عمر رضي الله عنه ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله ، قالوا : يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم ، قال : هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ، ثم قرأ الآية ) ( الذين آمنوا ) نصب أو رفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء والخبر لهم البشرى ، والبشرى في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) . وعنه عليه الصلاة والسلام ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) . وقيل هي محبة الناس ، له والذكر الحسن ، وعن أبي ذر ( قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال : تلك عاجل بشرى المؤمن ) . وعن عطاء ( لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة ، قال الله تعالى ( تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ) ) وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة ، وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم ، وما يقرءون منها وغير ذلك من البشارات ( لا تبديل لكلمات الله ) لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده كقوله تعالى - ما يبدل القول لدى - و ( ذلك ) إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين ، وكلتا الجملتين اعتراض ( ولا يحزنك ) وقرئ ولا يحزنك من أحزنه ( قولهم ) تكذيبهم لك وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك وسائر ما يتكلمون به في شأنك ( إن العزة لله ) واستئناف بمعنى التعليل